{وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ} [آل عمران: 44]
ويقول سبحانه:
{وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الغربي إِذْ قَضَيْنَآ إلى مُوسَى الأمر} [القصص: 44]
ويقول سبحانه:
{وَمَا كُنتَ ثَاوِياً في أَهْلِ مَدْيَنَ} [القصص: 45]
ويقول سبحانه:
{وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لاَّرْتَابَ المبطلون} [العنكبوت: 48]
فمن أين جاءت تلك البلاغة؟ كان يجب أن تأخذوا هذه المقدِّمات ؛ لتحكموا بأنه صادق في البلاغ عن الله ؛ لذلك يُنهى الحق سبحانه الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها بقوله: {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} .
وحين ينبهك الحق سبحانه وتعالى إلى أن تستعمل عقلك ، فهذا دليل على الثقة في أنك إذا استعملت عقلك ؛ وصلت إلى القضية المرادة . والله سبحانه وتعالى مُنزَّه عن خديعة عباده ، فمن يخدع الإنسان هو من يحاول أن يصيب عقله بالغفلة ، لكن الذي ينّبه العقل هو من يعلم أن دليل الحقيقة المناسبة لما يقول ، يمكن الوصول إليه بالعقل .
وقول الحق سبحانه في آخر الآية: {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} يدلنا على أن القضية التي كذَّبوا فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم نشأت من عدم استعمال عقولهم ، فلو أنهم استعملوا عقولهم في استخدام المقدمات المُحسَّة التي يؤمنون بها ويسلمون ؛ لانتهوا إلى القضية الإيمانية التي يقولها رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ولو أنهم فكّروا وقالوا: محمد نشأ بيننا ولم نعرف له قراءة ، ولا تلاوة كتاب ولا جلوساً إلى معلِّم ، ولم يَغبْ عنا فترة ليتعلَّم ، وظل مدة طويلة إلى سِنِّ الأربعين ولم يرتض على قول ولا على بلاغة ولا على بيان ؛ فمن أين جاءته هذه الدفعة القوية؟
كان يجب أن يسألوه هو عنها: من أين جاءتك هذه؟ وما دام قد قال لهم: إنها جاءته من عند الله ، فكان يجب أن يصدِّقوه .