{إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ} [آل عمران: 164]
أي: أنه صلى الله عليه وسلم من جنس الناس ، لا من جنس الملائكة ، أو {مِّنْ أَنْفُسِهِمْ} أي: من أمة العرب ، لا من أمة العَجَم ، أو {مِّنْ أَنْفُسِهِمْ} أي: من قبيلتهم التي يكذِّب أصحابُها رسولَ الله صلى الله عليه وسلم .
إذن: فحياته صلى الله عليه وسلم معروفة معلومة لكم ، لم يَغِبْ عنكم فترة ؛ لتقولوا بُعِثَ بعثةً ؛ ليتعلَّم علماً من مكان آخر ، ولم يجلس إلى معلِّم عندكم ولا إلى معلِّم خارجكم ، ولم يَتْلُ كتاباً ، فإذا كان الأمر كذلك ، فيجب أن تأخذوا من هذا مقدِّمة وتقولوا: فمن أين جاءت له هذه الحكمة فجأة؟
أنتم تعلمون أن المواهب والعبقريات لا تنشأ في الأربعينات ، ولكن مخايل العبقرية إنما ينشأ في نهاية العقد الثاني وأوائل العقد الثالث ، فمن الذي آخّر العبقرية عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقول هذا القول البليغ الذي أعجزكم ، وأنتم أمّة البلاغة وأمة الفصاحة المرتاضون عليها من قديم ، وعجزتم أمام ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ؟
كان يجب أن تقولوا: لم نعرف عنه أنه يعلم شيئاً من هذا ، فإذا حَلّ لكم اللغز وأوضح لكم: أن القرآن ليس من عندي ؛ كان يجب أن تصدقوه ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم يعزوه إلى خالقه وربه سبحانه .
والدليل على أنكم مضطربون في الحكم أنكم ساعة يقول لكم: القرآن بلاغ عن الله ، تكذِّبونه ، وتقولون: لا ، بل هو من عندك ، فإذا فَترَ عنه الوحي مرّةً قلتم: قلاه ربُّه .
لماذا اقتنعتم بأن له ربّاً يَصِلُه بالوحي ويهجره بلا وحي؟
أنتم إذن أنكرتم حالة الوصل بالوحي ، واعترفتم بالإله الخالق عندما غاب عنه الوحي ، وكان يجب أن تنتبهوا وتعودوا إلى عقولكم ؛ لتحكموا على هذه الأشياء ، وقد ذكر الحق سبحانه ذلك الأمر في كثير من آياته ، يقول سبحانه: