وكان الكفار على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون عن تلك الأصنام: إنهم شفعاء لهم عند الله ، فيقول الحق سبحانه في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: {مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ...} [يونس: 3]
لأن الشفاعة تقتضي شافعاً ومشفوعاً عنده ، ومشفوعاً له ، ومشفوعاً فيه ، هذه هي الأربعة العناصر في الشفاعة . والذي يستشفع هو المقصِّر ، وهؤلاء الكفار قالوا عن الأصنام: إنها شفعاء لهم عند الله ، وهذا إقرار منهم بالتقصير ، وأقروا بأن المشفوع عنده هو الله ، وأما المشفوع فيه ؛ فهو تخفيف العذاب أو إنهاء العذاب .
إذن: فالمشفوع فيه أمر مشترك ، والمشفوع عنده أمر مشترك ، أما الأمر في الشافع ، والأمر في المشفوع له ، فهما مختلفان . وأنت - على سبيل المثال ، لا تأتي بإنسان يسير في الطريق وترسله ليشفع لك (مثلاً) عند المحافظ أو عند الوزير ؛ إن كانت لك حاجة عند أي منهما ، بل تأتي بإنسان تعلم رضا المحافظ عنه أو رضا الوزير عنه ، وله منزلة ومكانة ، وهذه المنزلة والمكانة تسمحان له بالإذن في أن يكلِّم المحافظ أو الوزير في أمور الناس .
وإذا كان هذا هو الحال في الشفاعة من البشر لدى البشر ، فما بالنا بالشفاعة للإنسان لدى الله؟ لذلك بيَّن الحق هنا أن الشفيع لا بد أن يكون بإذن منه سبحانه {مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ} [يونس: 3]
وفي سورة البقرة يقول سبحانه:
{مَن ذَا الذي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ ...} [يونس: 3]
وفي آية أخرى يقول سبحانه: {يَوْمَئِذٍ لاَّ تَنفَعُ الشفاعة إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحمن وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً} [طه: 109]
إذن: فالشفيع لا بد له من إذن ورضاً من الله .
أما المشفوع له فقد قال الحق: {وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارتضى ...} [الأنبياء: 28]