هكذا بيَّن لنا الحق عناصر الشفاعة: الشافع ، والمشفوع له ، والمشفوع عنده وهو الله سبحانه ، والمشفوع فيه هو الذنوب وهي معروفة .
ولقائل أن يتساءل: ما دام الحق سبحانه قد رضي عن عبد ، فلماذا يحتاج العبد إلى الشفاعة؟
وأقول: لننتبه إلى أن الإنسان يتعرض لأعمال كثيرة ، وله نقاط ضعف في حياته ؛ قد تكون كثيرة ، وقد تكون قليلة ، فإذا جاء في نقطة الضعف وأذنب ذنباً ، فعليه أن يزيد من فعل النقاط القوية التي تُكتب له بها الحسنات ؛ لأن المعيار هو: {إِنَّ الحسنات يُذْهِبْنَ السيئات} [هود: 114]
فالعبد حين يزيد من الحسنات فالحق سبحانه قد يمحو السيئات ، وليعلم كل إنسان أنه إن اختلس من الله حكماً فهو لن يستطيع أن يهرب من العقاب ، وعليه أن يزيد من الحسنات ، ويرجو المغفرة من الله ؛ وقبول التكفير بالحسنات عن السيئات ، ولن يُفلت أحد من ملكوت الله .
وهَبْ أن إنساناً فيه نقطة ضعف ، وأذنب ذنباً ، وعنده نقطة قوة يطيع فيها الله بسهولة ويُسْر ، هذا الإنسان له أن يعلم أن الله يحبه لأجل نقطة قوته هذه ، وقد يرحمه الله سبحانه فيما أذنب من الذنوب ، ويجعل المأذون له في الشفاعة يشفع له عنده سبحانه .
فلماذا أراد الحق ذلك؟
شاء الحق ذلك حتى لا يُحرَمُ العالم من الحسنات التي يجيدها ذلك الإنسان . ويحكي لنا الحديث النبوي الشريف عن الرجل الذي لقي كلباً يلهث من العطش ، ولم يجد الرجل إناء يملأه ماء من البئر ليسقي الكلب ، فنزل البئر وملأ خفه ، وعاد إلى الكلب ليسقيه . وبطبيعة الحال لم يكن هذا الرجل لينافق الكلب ، بل منتهى الرحمة بهذا الحيوان ، كذات خلقها الله ؛ لذلك غفر الحق سبحانه لهذا الرجل .