مَحْرُومُونَ مِنْ وَسَائِلِ الْعُلُومِ الْكَسْبِيَّةِ ، وَالْآدَابِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ (الثَّانِي) أَنَّهُمْ أَجْدَرُ: أَيْ أَحَقُّ وَأَخْلَقُ مِنْ أَهْلِ الْحَضَرِ بِأَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى فِي كِتَابِهِ وَمَا آتَاهُ مِنَ الْحِكْمَةِ الَّتِي بَيَّنَ بِهَا تِلْكَ الْحُدُودَ بِسُنَنِ أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ . وَفَهْمُ أَلْفَاظِ الْقُرْآنِ اللُّغَوِيَّةِ لَا يَكْفِي فِي عِلْمِ حُدُودِهِ الْعَمَلِيَّةِ . كَانَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَمَا حَوْلَهَا مِنَ الْقُرَى يَتَلَقَّوْنَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كُلَّ مَا يَنْزِلُ مِنَ الْقُرْآنِ وَقْتَ نُزُولِهِ ، وَيَشْهَدُونَ سُنَّتَهُ فِي الْعَمَلِ بِهِ ، وَكَانَ يُرْسِلُ الْعُمَّالَ إِلَى الْبِلَادِ الْمَفْتُوحَةِ يُقِيمُونَ فِيهَا وَيُبَلِّغُونَ الْقُرْآنَ ، وَيَحْكُمُونَ بَيْنَ النَّاسِ بِهِ وَبِالسُّنَّةِ الْمُبَيِّنَةِ لَهُ فَيَعْرِفُ أَهْلُهَا تِلْكَ الْحُدُودَ الَّتِي حَدَّهَا اللهُ تَعَالَى وَنَهَاهُمْ أَنْ يَعْتَدُّوهَا . وَلَمْ يَكُنْ هَذَا كُلُّهُ مَيْسُورًا لِأَهْلِ الْبَوَادِي ، وَهُمْ مَأْمُورُونَ بِالْهِجْرَةِ ; لِأَجْلِ الْعِلْمِ وَالنُّصْرَةِ ; لِأَنَّ الْإِسْلَامَ دِينُ عِلْمٍ وَحَضَارَةٍ .
فَالْأَعْرَابُ أَجْدَرُ بِالْجَهْلِ مِنَ الْحَضَرِ بِطَبِيعَةِ الْبَدَاوَةِ لَا بِضَعْفِ أَفْهَامِهِمْ ، أَوْ بَلَادَةِ أَذْهَانِهِمْ أَوْ ضِيقِ نِطَاقِ بَيَانِهِمْ ، فَقَدْ كَانُوا مَضْرِبَ الْأَمْثَالِ فِي قُوَّةِ الْجَنَانِ ، وَلَوْذَعِيَّةِ الْأَذْهَانِ ، وَذَرَابَةِ اللِّسَانِ وَسَعَةِ بَيْدَاءِ الْبَيَانِ ، وَعَنْهُمْ أَخَذَ رُوَاةُ الْعَرَبِيَّةِ أَكْثَرَ مُفْرَدَاتِ الْعَرَبِيَّةِ وَأَسَالِيبِهَا .