وإذا كانت التثنية مرادة فأكثر الناس على أنّ العذاب الثاني هو عذاب القبر ، وأما المرة الأولى فقال ابن عباس في الأشهر عنه: هو فضيحتهم ووصمهم بالنفاق.
وروي في هذا التأويل أنه عليه السلام خطب يوم جمعة بدر فندر بالمنافقين وصرح وقال:"اخرج يا فلان من المسجد فإنك منافق ، واخرج أنت يا فلان ، واخرج أنت يا فلان"حتى أخرج جماعة منهم ، فرآهم عمر يخرجون من المسجد وهو مقبل إلى الجمعة فظن أن الناس انتشروا ، وأن الجمعة فاتته ، فاختفى منهم حياء ، ثم وصل المسجد فرأى أنّ الصلاة لم تقض وفهم الأمر.
قال ابن عطية: وفعله (صلى الله عليه وسلم) على جهة التأديب اجتهاد منه فيهم ، ولم يسلخهم ذلك من الإسلام ، وإنما هو كما يخرج العصاة والمتهمون ، ولا عذاب أعظم من هذا.
وكان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كثيراً ما يتكلم فيهم على الإجمال دون تعيين ، فهذا أيضاً من العذاب انتهى.
ويبعد ما قال ابن عطية لأنه نص على نفاق من أخرج بعينه ، فليس من باب إخراج العصاة.
بل هؤلاء كفار عنده وإنْ أظهروا الإسلام.
وقال قتادة وغيره: العذاب الأول علل وأدواء أخبر الله نبيه أنه سيصيبهم بها ، وروي أنه أسرّ إلى حذيفة باثني عشر منهم وقال:"سنة منهم تكفيهم الدبيلة سراج من نار جهنم تأخذ في كتف أحدهم حتى تفضي إلى صدره ، وستة يموتون موتاً"وقال مجاهد: هو عذابهم بالقتل والجوع.
قيل: وهذا بعيد ، لأن منهم من لم يصبه هذا.
وقال ابن عباس أيضاً: هو هو أنهم بإقامة حدود الشرع عليهم مع كراهيتهم فيه.
وقال ابن إسحاق: هو همهم بظهور الإسلام وعلو كلمته.
وقيل: ضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم عند قبض أرواحهم.
وقال الحسن: الأول ما يؤخذ من أموالهم قهراً ، والثاني الجهاد الذي يؤمرون به قسراً لأنهم يرون ذلك عذاباً.
وقال ابن زيد: مرتين هما عذاب الدنيا بالأموال والأولاد كل صنف عذاب فهو مرتان ، وقرأ {فلا تعجبك} الآية.