وَهَذَا هُوَ الْمَطْلُوبُ، وَأَيْضًا فَإِنَّ طَلَبَ رِضْوَانِ اللَّهِ وَاجِبٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُوجَدْ رِضْوَانُهُ فَإِمَّا سَخَطُهُ أَوْ عَفْوُهُ، وَالْعَفْوُ إنَّمَا يَكُونُ مَعَ انْعِقَادِ سَبَبِ الْخَطِيئَةِ، وَذَلِكَ لَا تُبَاحُ مُبَاشَرَتُهُ إلَّا بِالنَّصِّ، وَإِذَا كَانَ رِضْوَانُهُ إنَّمَا هُوَ فِي اتِّبَاعِهِمْ، وَاتِّبَاعُ رِضْوَانِهِ وَاجِبٌ، كَانَ اتِّبَاعُهُمْ وَاجِبًا، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ إنَّمَا أَثْنَى عَلَى الْمُتَّبِعِ بِالرِّضْوَانِ، وَلَمْ يُصَرِّحْ بِالْوُجُوبِ؛ لِأَنَّ إيجَابَ الِاتِّبَاعِ يَدْخُلُ فِي الِاتِّبَاعِ فِي الْأَفْعَالِ، وَيَقْتَضِي تَحْرِيمَ مُخَالَفَتِهِمْ مُطْلَقًا، فَيَقْتَضِي ذَمَّ الْمُخْطِئِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، أَمَّا الْأَقْوَالُ فَلَا وَجْهَ لِمُخَالَفَتِهِمْ فِيهَا بَعْدَمَا ثَبَتَ أَنَّ فِيهَا رِضَا اللَّهِ تَعَالَى وَأَيْضًا فَإِنَّ الْقَوْلَ إذَا ثَبَتَ أَنَّ فِيهِ رِضَا اللَّهِ لَمْ يَكُنْ رِضَا اللَّهِ فِي ضِدِّهِ، بِخِلَافِ الْأَفْعَالِ فَقَدْ يَكُونُ رِضَا اللَّهِ فِي الْأَفْعَالِ الْمُخْتَلِفَةِ وَفِي الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ بِحَسَبِ قَصْدَيْنِ وَحَالَيْنِ، أَمَّا الِاعْتِقَادَاتُ وَالْأَقْوَالُ فَلَيْسَتْ كَذَلِكَ، فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ فِي قَوْلِهِمْ رِضْوَانَ اللَّهِ تَعَالَى لَمْ يَكُنْ الْحَقُّ وَالصَّوَابُ إلَّا هُوَ؛ فَوَجَبَ اتِّبَاعُهُ.
فَإِنْ قِيلَ: السَّابِقُونَ هُمْ الَّذِينَ صَلَّوْا إلَى الْقِبْلَتَيْنِ، أَوْ هُمْ أَهْلُ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ وَمَنْ قَبْلَهُمْ، فَمَا الدَّلِيلُ عَلَى اتِّبَاعِ مَنْ أَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ؟ قِيلَ: إذَا ثَبَتَ وُجُوبُ اتِّبَاعِ أَهْلِ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ فَهُوَ أَكْبَرُ الْمَقْصُودِ، عَلَى أَنَّهُ لَا قَائِلَ بِالْفَرْقِ، وَكُلُّ الصَّحَابَةِ سَابِقٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَنْ بَعْدَهُمْ. انتهى انتهى {مصباح التفاسير، لابن القيم} ...