قَالَ نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ: ثنا ابْنُ الْمُبَارَكِ قَالَ: سَمِعْت أَبَا حَنِيفَةَ يَقُولُ: إذَا جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَى الرَّأْسِ وَالْعَيْنِ، وَإِذَا جَاءَ عَنْ الصَّحَابَةِ نَخْتَارُ مِنْ قَوْلِهِمْ، وَإِذَا جَاءَ عَنْ التَّابِعِينَ زَاحَمْنَاهُمْ.
وَذَهَبَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَأَكْثَرُ الْمُتَكَلِّمِينَ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، وَذَهَبَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ إلَى أَنَّهُ إنْ خَالَفَ الْقِيَاسَ فَهُوَ حُجَّةٌ، وَإِلَّا فَلَا، قَالُوا: لِأَنَّهُ إذَا خَالَفَ الْقِيَاسَ لَمْ يَكُنْ إلَّا عَنْ تَوْقِيفٍ وَعَلَى هَذَا فَهُوَ حُجَّةٌ، وَإِنْ خَالَفَهُ صَحَابِيٌّ آخَرُ، وَاَلَّذِينَ قَالُوا"لَيْسَ بِحُجَّةٍ"قَالُوا: لِأَنَّ الصَّحَابِيَّ مُجْتَهِدٌ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ يَجُوزُ عَلَيْهِ الْخَطَأُ فَلَا يَجِبُ تَقْلِيدُهُ، وَلَا يَكُونُ قَوْلُهُ حُجَّةً كَسَائِرِ الْمُجْتَهِدِينَ، وَلِأَنَّ الْأَدِلَّةَ الدَّالَّةَ عَلَى بُطْلَانِ التَّقْلِيدِ تَعُمُّ تَقْلِيدَ الصَّحَابَةِ وَمَنْ دُونَهُمْ، وَلِأَنَّ التَّابِعِيَّ إذَا أَدْرَكَ عَصْرَ الصَّحَابَةِ اعْتَدَّ بِخِلَافِهِ عِنْدَ أَكْثَرِ النَّاسِ، فَكَيْفَ يَكُونُ قَوْلُ الْوَاحِدِ حُجَّةً عَلَيْهِ؟ وَلِأَنَّ الْأَدِلَّةَ قَدْ انْحَصَرَتْ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَالْقِيَاسِ وَالِاسْتِصْحَابِ، وَقَوْلُ الصَّحَابِيِّ لَيْسَ وَاحِدًا مِنْهَا، وَلِأَنَّ امْتِيَازَهُ بِكَوْنِهِ أَفْضَلَ، وَأَعْلَمَ وَأَتْقَى لَا يُوجِبُ وُجُوبَ اتِّبَاعِهِ عَلَى مُجْتَهِدٍ آخَرَ مِنْ عُلَمَاءِ التَّابِعِينَ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَنْ بَعْدَهُمْ.
[فصل: الْأَدِلَّةُ عَلَى وُجُوبِ اتِّبَاعِ الصَّحَابَةِ]
فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَمِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: مَا احْتَجَّ بِهِ مَالِكٌ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}