وهذا النص الكريم يفيد أن الله يعلم عندما عاهدوا النبي - صلى الله عليه وسلم - عهدهم (لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكونَنَّ) أنهم لن يوفوا بعهدهم الذي عاهدوه مخترين، وأخلفوا مختارين، ولكن الله تعالى تركهم في غيهم يعمهون.
وأكد سبحانه بأن الله أحاط بكل شيء، بقوله تعالى: (وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّام الْغُيوبِ) عطف هذا المصدر على ألم يعلموا، أي أنهم يعلمون أن الله تعالى يعلم سرهم ونجواهم، وأن الله تعالى علام الغيوب، يعلم ما استكن في نفوسهم من إرادة النفاق والكذب، وأنهم لن يوفوا.
وعلام الغيوب صيغة تؤكد علم الله تعالى الذي لَا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا في كتاب، وهو يعلم خافية الصدور ومكنون النفوس، يعلم الغيوب كلها ما مضى وما يجيء، وهو السميع العليم البصير القاهر فعال لما يريد.
وهؤلاء الذين عاهدوا، وغدروا، ولم يوفوا بما وعدوا من صدقة إن أغناهم الله من فضله - عيابون شأن كل منافق كله عيوب، ويعيب على غيره، فهم يعيبون على الذين يتطوعون بقليل من المال وقد بذلوا أقصى طاقتهم ويقول الله تعالى في بيان هذا الحال فيهم:
(الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(79)
(الَّذِينَ) وصف للمنافقين، (يَلْمِزُونَ) أي يعيبون وقتا بعد آخر، وتكرر غمزهم، لأنهم من (الْمُطَّوِّعِينَ) أي المتطوعين، وقلبت التاء طاء وأدغمت الطاء في الطاء، والمتطوع هو المتصدق تطوعا، وقد أدى الفريضة، وإن هذا الإدغام قوى المعنى في اللفظ، أي الذين يؤدون فيه أقصى التطوع، فذو المال يتطوع بأقصى ما يمكن من التطوع لَا يدخر، والقِلُّ من المال يتبرع بمقدار جهده وطاقته، وهم يعيبون من يتطوع بالكثير فيقولون يرائي، ومن يتطوع بالقليل مما يقدر عليه يقولون ساخرين: الله غني عنه، فهم عيابون لَا يتبرعون، ويعيبون من يتبرع، ذا مال أو لم يكن ذا مال.