والخلاصة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يتألف قلوب بعض الناس بالعطاء دفعًا لشرهم، أو أملًا في نفعهم، أو رجاء هدايتهم.
الوجه الثاني: هل حكم المؤلفة قلوبهم باق بعد ظهور الإسلام أم نسخ؟
والصحيح أن هذا الحكم غير منسوخ، وأن للإمام أن يتألف قومًا على هذا الوصف ويدفع إليهم سهم المؤلفة، لأنه لا دليل على نسخه البتة.
وقد قيل: إنّ الصحابة أجمعوا على سقوط سهم المؤلّفة قلوبهم من عهد خلافة أبي بكر؛ حكاه القرطبي. ولا شكّ أن عمر قَطع إعطاء المؤلّفة قلوبهم -مع أنّ صنفهم لا يزال موجودًا-، رأى أنّ اللَّه أغنى دين الإسلام بكثرة أتْباعه، فلا مصلحة للإسلام في دفع
أموال المسلمين لتأليف قلوب مَنْ لم يتمكّن الإسلام من قلوبهم، ومن العلماء من جعل فعل عمر وسكوتَ الصحابة عليه إجماعًا سكوتيًا، فجعلوا ذلك ناسخًا لبعض هذه الآية وهو من النسخ بالإجماع (1) ، وفي عدّ الإجماع السكوتي في قوة الإجماع القولي نزاع بين أئمّة الأصول، وفي هذا البناء نظر كما علمت آنفًا. وقال كثير من العلماء: هم باقون إذا وُجدوا؛ فإنّ الإمام ربما احتاج إلى أن يستألف على الإسلام، وبه قال الزهري، وعمر بن عبد العزيز، والشافعي، وأحمد بن حنبل، واختاره عبد الوهاب، وابن العربي من المالكية؛ قال ابن العربي: الصحيح عندي أنّه إن قوي الإسلام زالوا، وإن احتيج إليهم أعطوا.
وقال ابن القيم: فإن قيل: فلو دعت حاجة الإمام في وقت من الأوقات إلى مثل هذا مع عدوه هل يسوغ له ذلك؟
قيل: الإمام نائب عن المسلمين يتصرف لمصالحهم وقيام الدين، فإن تعين ذلك للدفع عن الإسلام والذب عن حوزته واستجلاب رؤوس أعدائه إليه ليأمن المسلمون شرهم - ساغ له ذلك، بل تعين عليه، وهل تُجَوِّزُ الشريعةُ غير هذا؟
فإنه -وإن كان في الحرمان مفسدة-، فالمفسدة المتوقعة من فوات تأليف هذا العدو أعظم، ومبنى الشريعة على دفع أعلى المفسدتين باحتمال أدناهما، وتحصيل أكمل المصلحتين بتفويت أدناهما، بل بناء مصالح الدنيا والدين على هذين الأصلين.