لكن"الرجاء"شيء محبوب يوشك أن يقع . وهكذا نعرف أن الرجاء أقوى من التمني . وأداة التمني"ليت"وأداة الرجاء"عسى". وحين يكون بعد"عسى"ما يُرْجَى فلذلك مراحل تتفاوت بقوة أسباب الرجاء في الوقوع . فأنا مثلاً إذا قلت: عسى أن أكرمك فهذا أمر يعود إليّ أنا ، لأنَّ إكرامي لك يقتضي بقائي ، وعدم تغير نفسي من ناحيتك ، فمن الجائز أن تتغير نفسي قبل أن أكرمك ولا يقع إكرامي لك . هذا هو الرجاء من صاحب الأغيار ، ومادمت صاحب أغيار فقد لا أقدر على الإِكرام ، أو أقدر ولكني لم أعد أحب هذا الأمر فقد انصرفت نفسي عنه ، وهذا يفسد الرجاء ويقلل الأمل في حصوله . فإذا قلت لإِنسان: عسى الله أن يكرمك فلان وهو مساويه ، فهذا أمر مستبعد قليلاً ؛ لأن من يقول ذلك لا يملك أن يقوم فلان بإِكرام المساوي له ، لأنه صاحب أغيار .
لكن إذا قلت: عسى الله أن يكرمك فهذه أقوى ، لأن ربنا لا يعجزه شيء عن إكرام إنسان . وهل يقبل الله أن يجيب رجاءك؟ هذه مسألة تحتاج إلى وقفة ، فسبحانه من ناحية القوة له مطلق القدرة فلا شيء يعطله أو يستعصي أو يتأبى عليه . فإذا ما قال الحق عن نفسه: {عسى رَبُّكُمْ} فقد انتهت المسألة وتقرر الوعد وتحقق ، وهذا ما يقال عنه رجاء محقق . إذن مراحل الرجاء هي: عسى أن أكرمك ، وعسى أن يكرمك زيد ، وعسى الله أن يكرمك ، وأقوى ألوان الرجاء أن بعد الحق بالإِكرام أو بالرحمة . {عسى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ ...} [الأعراف: 129]
والكلام كما نراه هو من موسى ، ولا يقدر على هذه المسألة إلا الله ، فما موقع هذا من تحقيق الرجاء؟ . نعلم أن موسى رسول أرسله الله لهداية الخلق ، وأرسله مؤيداً بالمعجزة ، فإذا كان الرسول المؤيد بالمعجزة قد أمره الله أن يبلغهم ذلك ، فيكون الرجاء منه مقبولاً: {عسى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ} .