ولم يلتفتوا إلى أن الإِيذاء من قبل ومن بعد لا ينشأ إلا من عدو ، فكأن موسى يرد عليهم بأن أسباب الإِيذاء ستنتهي ، وأن الله سيهلك عدوكم الذي آذاكم من قبل ويؤذيكم من بعد . ولن يقتصر الأمر على هذه النعمة ؛ بل يزيدكم بأن يستخلفكم في الأرض ، ويعطيكم ملكهم ويعطيكم أرضهم . وكأن هنا أمرين: الأمر الأول سلبي: وهو إهلاك العدو ، والأمر الثاني إيجابي: وهو استخلافكم في الأرض وهذا أمر لكم ، ووعد من الله بأن تكون لكم السيادة والملك وعليكم أن تنتبهوا إلى أن نعمة الله عليكم بإهلاك عدوكم ، وباستخلافكم في الأرض لن تترك هكذا ، بل أنا رقيب عليكم أنظر ماذا تفعلون ، هل تستقبلون هذه النعم بالشكر وزيادة الإِيمان واليقين والارتباط بالله ، أو تكفرون بهذه النعمة؟
وحين يقول الحق سبحانه وتعالى على لسان موسى {عسى} فهي كلمة - كما يقول علماء اللغة - تدل على الرجاء ، ومعنى الرجاء أن ما بعدها يكون مرجو الحصول . وهناك فرق بين التمني وبين الرجاء . فالتمني أن تتطلب أمراً مستحيلاً أو يكون في الحصول عليه عسر ، ولكنك تريد - فقط - بالتمني إشعار حبك له ، فأنت إذا قلت: ليت الشباب يعود ، فهذا أمر لا يكون ، ولكنك تعلن حبك لمرحلة الشباب .
وقصارى ما يعطيه أن يعلمنا أنك تحب هذا المتمنَّي . لكن هل يتحقق أو لا يتحقق . . فهذه ليست واردة .