وأمر تشريعي تدويني: أي: شرعه الله لعباده ، وكلفهم به ، مما دون في كتب الشريعة وبُين ، وهذا الأمر يتعلق به الطاعة والعصيان والثواب والعقاب والرضا والسخط ، والكفر والمعاصي ليست مأمورة بهذا الأمر .
والمعتزلة لم يفرقوا بين الأمرين ، وقالوا: إن الكفر والمعاصي لو كانت مراده تعالى ، لكانت مأموراً بها ، وإتيان المأمور به طاعة ، فيكون الكافر والفاسق مطيعين ، فإنهما مأمور بهما بالأمر الأول ، وليس مأموراً بهما بالأمر الثاني ، حتى يكون إتيانهما طاعة .
قال السيلكوتي: ولا يخفى عليك تقسيم الأمر إلى أمرين ، إنما يستقيم إذا كان قوله تعالى: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} على ظاهره ، كما ذهب إليه البعض .
وأما إذا كان عبارة عن الإيجاد من غير أن يتعلق بها خطاب ، كما ذهب إليه الأشعري ومن تبعه ، فلا . انتهى .
والمسألة مبسوطة في محالها المعروفة .
الثاني: قوله تعالى: {قُلْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء} جواب عن شبهتهم الثانية .
ولم يذكر جواباً عن الأولى ، قال الإمام: لأنها إشارة إلى محض التقليد ، وقد تقرر في المعقول أنه طريقة فاسدة ، لأن التقليد حاصل في الأديان المتناقضة ، فلو كان التقليد حقاً ، لزم القول بحقية الأديان المتناقضة ، فلما كان فساده ظاهراً ، لم يذكره تعالى .
الثالث: قال في"فتح البيان": في هذه الآية الشريفة أعظم زاجر ، وأبلغ واعظ ، للمقلدة الذين يتبعون آباءهم في المذاهب المخالفة للحق ، فإن ذلك من الاقتداء بأهل الكفر ، لا بأهل الحق ، فإنهم القائلون: {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ}
والقائلون: {وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءنَا وَاللّهُ أَمَرَنَا بِهَا} . والمقلد ، لولا اغتراره بكونه وجد آباءه على ذلك المذهب ، مع اعتقاده بأنه الذي أمر الله به ، وأنه الحق لم يبق عليه .