قال القاضي أبو محمد: والفصيح إذا أضيف مصدر إلى مفعول أن لا يذكر الفاعل، وأيضاً فالجمهور في هذه الآية على أن الشركاء مزينون لا قاتلون، والتوجيه الذي ذكر سيبويه هو الصحيح، ومنه قوله عز وجل على قراءة من قرأ {يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال} [النور: 36] بفتح الباء المشددة أي"يسبَّح رجال"وقرأ ابن عامر"وكذلك زُين"بضم الزاي"قتلُ"بالرفع"أولادَهم"بنصب الدال"شركائِهم"بخفض الشركاء، وهذه قراءة ضعيفة في استعمال العرب، وذلك أنه أضاف القتل إلى الفاعل وهو الشركاء، ثم فصل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول ورؤساء العربية لا يجيزون الفصل بالظروف في مثل هذا إلا في الشعر كقوله [أبو حية النميري] : [الوافر]
كما خُطَّ بكفِّ يوماً ... يهوديَّ يقارِبُ أو يزيلُ
فكيف بالمفعول في أفصح الكلام؟ ولكن وجهها على ضعفها أنها وردت شاذة في بيت أنشده أبو الحسن الأخفش وهو: [مجزوء الكامل]
فَزَجَجْتُهُ بِمِزَجَّةٍ ... زَجَّ القُلُوصَ أبي مزادة
وفي بيت الطرماح وهو قوله: [الطويل]
يطفن بحوزيّ المرابعِ لَمْ يُرَعْ ... بواديهِ من قَرْعِ القِسِيُّ الكنائِن
والشركاء على هذه القراءة هم الذين يتأولون وأد بنات الغير فهم القاتلون، والصحيح من المعنى أنهم المزينون لا القاتلون، وذلك مضمن قراءة الجماعة.
وقرأ بعض أهل الشام ورويت عن ابن عامر"زِيْن"بكسر الزاي وسكون الياء على الرتبة المتقدمة من الفصل بالمفعول، وحكى الزهراوي أنه قرأت فرقة من أهل الشام"وكذلك زُين"بضم الزاي"قتلُ"بالرفع"أولادِهم"بكسر الدال"وشركائِهم"بالخفض والشركاء على هذه القراءة هم الأولاد الموءودون لأنهم شركاء في النسب والمواريث، وكأن وصفهم بأنهم شركاء يتضمن حرمة لهم وفيها بيان لفساد الفعل إذ هو قتل من له حرمة.
و {ليردوهم} معناه ليهلكوهم من الردى، {وليلبسوا} معناه ليخلطوا، والجماعة على كسر الباء، وقرأ إبراهيم النخعي"وليَلبسوا"بفتح الباء، قال أبو الفتح: هي استعارة من اللباس عبارة عن شدة المخالطة، وهذان الفعلان يؤيدان أول قراءة في ترتيبنا في قوله {وكذلك زين} . وقوله تعالى: {ولو شاء الله ما فعلوه} يقتضي أن لا شيء إلا بمشيئة الله عز وجل، وفيها رد على من قال بأن المرء يخلق أفعاله، وقوله تعالى: {فذرهم} وعيد محض، و {يفترون} معناه يختلقون من الكذب في تشرعهم بذلك واعتقادهم أنها مباحات لهم. انتهى انتهى. {المحرر الوجيز حـ 2 صـ}