غير أن النظر إليها تغير وفق مستجدات حداثية أضاءت العصر بإضاءات جديدة، بوصفها تياراً أدبياً ونقدياً ذا سلطة قوية فرضت نفسها لأن"الحداثة اليوم حداثة غازية كاسحة، إن لم تأخذ بها أخذتك، وإن لم تعمل جاهداً من أجل المساهمة في صنعها، أو على الأقل من أجل تبيئتها في واقعك وخصوصيتك، جرفتك واقتلعتك من جذورك، أو همشتك وألقت بك خارج الحاضر والمستقبل، تَجْتَرُ الماضي، بل يجتر الماضي نفسه فيك".
فالشخصية في النص الأدبي، لم تعد تلك التي تظهر بوضوح، سواء بتدخل السارد أم من خلالها هي، بل أصبحت مجرد"أداة فنية يبدعها المؤلف لوظيفة هو مشرئب إلى رسمها، فهي - إذن - شخصية ألسنية قبل كل شيء، بحيث لا توجد خارج الألفاظ بأي وَجه، إذ لا تعدو أن تكون كائناً من ورق".
ولما كانت الشخصية تتخذ مثل هذه الأبعاد، تعقدت وأصبح النظر إليها يتطلب جهوداً في مجال النقد الأدبي، تستدعي تفعيل أدوات إجرائية تفكك تلك التشاكلات التي أصبح عليها حال الشخصية.
وفي هذا السياق يشير الدكتور عبد الملك مرتاض بقوله:"الشخصية هذا العالم الذي يتمحور حوله كل الوظائف والهواجس والعواطف والميول، فهي مصدر إفراز الشّر في السلوك الدرامي داخل عمل قصصي ما، فهي -بهذا المفهوم - فعل أو حدث، وهي في الوقت ذاته تتعرض لإفراز هذا الشر أو ذلك الخير، وهي - بهذا المفهوم - وظيفة أو موضوع، ثم إنها هي التي تسرد لغيرها، أو يقع عليها سرد غيرها. وهي - بهذا المفهوم - أداة وصف".
والواقع أن التساؤل الذي طرحناه، هو الذي يحدد مسار بحثنا في استجلاء آفاق جديدة من عالم القصة القرآنية وتقنياتها التي تتلاقى وتتلاقح - في معظمها - مع السردية الحداثية التي يكرّسها النقد الأدبي الحديث والمعاصر.
لم يرد مصطلح الشخصية في القرآن وإنما ورد بألفاظ: المرء، الرجل، الإنسان، الرسول، ونحو ذلك. بل لم ترد مادة (ش. خ. ص) إلا في موطنين: