إن الشخصية الآن، تقلّص حضورها داخل العمل السردي، وكادت ملامحها الجسدية والنفسية تتلاشى. فقد لا نجد لها اسماً، ولا مؤشراً، ولا أي ملمح يقرّبها من القارئ، بحيث ألفينا كتاباً كأندري جيد مثلاً، والذي لم يذكر اسم شخصيته بل"كان يكتفي بذكر الاسم الشخصي فقط ... وبطل كافكا، سمي بالحرف الأول (K) .. وجيمس جويس استعمل بعض الحروف مثل (H.C.E) وهكذا".
غير أن الشخصية - في ظل كل هذا - تولد غامضةً، يميزها الإحساس بالإخفاق والقلق والاضطراب والمساءلة، فهي تَطْرَحُ وتُطرَحُ من حولها طائفة من الأسئلة والافتراضات. هي تُولَدُ هكذا، الشيء الذي جعل الاهتمام بها راجعاً إلى القارئ وحده.
لقد ولَّى عصر تقديم القيم الإنسانية جاهزة.
هناك نقطة أخرى تميز هذه الدعوة الجديدة التي تولّدت وفق هذا التصور الجديد للشخصية، هي أن العناية أصبحت منصبة على القارئ وعلاقته بالنص.
ذلك أن النص الإبداعي أصبح يتمتع باستقلالية بعيدة عن المعهودية الجاهزة.
ومن هذا المنظور فإن جمالية النص لا تتكشّف إلا للقارئ. ومن هنا بات حضوره أمراً ضرورياً يتماس مع مبادئ السردية الجديدة في توجهاتها، بحيث ألفينا روادها يركزون على أهمية القراءة"فمنهم من أقام نظريته النقدية على القراءة بدل الكتابة (سبانسو مثلاً) ولقد أبرز بارث ودريدا فكرة النص كنقيض لفكرة العمل الأدبي، من حيث إن النص نشاط لغوي إبداعي يمكن حصره داخل حدود معينة .."
ولا معاملته على أنه شيء يخرج من يد منتج هو المنشئ ليتلقاه مستهلك هو القارئ، ولكنه يوجد على يد قارئ نفسه الذي يقوم بدور الشريك بدل المستهلك"."
وربما يكون التوجه نحو القارئ قد حدّ نسبياً من سلطة المبدع وحرّر القارئ، الشيء الذي جعله مشاركاً في بناء النص، بل وفي تفكيك دلالاته المتناثرة هنا وهناك، والعمل على انتشاله من عالمه الهادئ لرميه في أحضان النص الذي يصبح جزءاً منه، مشاركاً في حركية شخصياته.