جَرِّدْ قَلْبَكَ مِنَ الأَقْذَارِ, ثُمَّ أَلْبِسْهُ الاعْتِذَارَ, ثُمَّ حَلِّهِ حُلَّةَ الانْكِسَارِ, ثُمَّ أَقِمْهُ عَلَى بَابِ الدَّارِ.
لَهَجَ بَعْضُ الْعُبَّادِ بِالْبُكَاءِ, فَعُوتِبَ عَلَى كَثْرَتِهِ فَقَالَ:
(بَكَيْتُ عَلَى الذُّنُوبِ لِعُظْمِ جُرْمِي ... وَحَقٌّ لِكُلِّ مَنْ يَعْصِي الْبُكَاءُ)
(فَلَوْ أَنَّ الْبُكَاءَ يَرُدُّ هَمِّي ... لأَسْعَدَتِ الدُّمُوعُ مِعَا دِمَائِي)
اعْلَمْ أَنَّ التَّائِبَ الْمُحَقِّقَ يَشْغَلُهُ تَنْظِيفُ مَا وَسِخَ, وَالْحُزْنُ عَلَى مَا فَرَّطَ عَنْ تَصْوِيرِ زَلَّةٍ ثَانِيَةٍ.
يَا هَذَا اكْتُبْ قِصَّةَ الرُّجُوعِ بِقَلَمِ النُّزُوعِ بِمِدَادِ الدُّمُوعِ, وَاسْعَ بِهَا عَلَى قَدَمِ الْخُضُوعِ إِلَى بَابِ الْخُشُوعِ, وَأَتْبِعْهَا بِالْعَطَشِ وَالْجُوعِ, وَسَلْ رَفْعَهَا فَرُبَّ سُؤَالٍ مَسْمُوعٍ, كَمْ هَتَكَ سِتْرَ مَنْ فَعَلَ خَطِيئَةً قَدْ فَعَلْتَهَا وَسُتِرْتَ, فَابْكِ عَلَى كَثْرَةِ الذَّنْبِ أَوْ عَلَى قِلَّةِ الشُّكْرِ.
(لَئِنْ جَلَّ ذَنْبِي وَارْتَكَبْتُ الْمَآثِمَا ... وَأَصْبَحْتُ فِي بَحْرِ الْخَطِيئَةِ عَائِمَا)
(أُجَرِّرُ ذَيْلِي فِي مُتَابَعَةِ الْهَوَى ... لأَقْضِيَ أَوْطَارَ الْبَطَالَةِ هَائِمَا)
(فَهَا أَنَا ذَا يَا رَبِّ أَقْرَرْتُ بِالَّذِي ... جَنَيْتُ عَلَى نَفْسِي وَأَصْبَحْتُ نَادِمَا)
(أَجَلُّ ذُنُوبِي عِنْدَ عَفْوِكَ سَيِّدِي ... حَقِيرٌ وَإِنْ كَانَتْ ذُنُوبِي عَظَائِمَا)
تَشَبَّثْ بِذَيْلِ الْحِلْمِ, وَصِحْ بِصَاحِبِ الْعَفْوِ لَعَلَّ شَفِيعَ الاعْتِرَافِ يُسْأَلُ فِي أَسِيرِ الاقْتِرَافِ.
(ذَنْبِي إِلَيْكَ عَظِيمٌ ... وَأَنْتَ لِلْعَفْوِ أَهْلُ)
(فَإِنْ عَفَوْتَ بِفَضْلٍ ... وَإِنْ أَخَذْتَ فَعَدْلُ)
يَا هَذَا مُنَاجَاتَكَ منجاتك, وَصَلاتَكَ صَلاتَكَ, نَادِ فِي نَادِي الأَسْحَارِ وَالنَّاسُ نَائِمُونَ: يَا أَكْرَمَ مَنْ أَمَّلَهُ الآمِلُونَ.
(عَلَيَّ دَيْنٌ ثَقِيلٌ أَنْتَ قَاضِيَهْ ... يَا مَنْ يُحَمِّلُنِي ذنبي رجائيه)
(الحل مُرْهَقَةٌ وَالنَّفْسُ مُشْفِقَةٌ ... مِنْ دَائِهَا الْمُتَمَادِي أَوْ تَدَاوِيَهْ)
إِنْ طَرَدْتَنِي فَإِلَى مَنْ أَذْهَبُ, وَإِنْ أَبْعَدْتَنِي فَإِلَيْكَ أُنْسَبُ, عَلِمْتَ ذَنْبِي وَخَلَقْتَنِي, وَرَأَيْتَ زَلَلِي وَرَزَقْتَنِي.