وهي من مصادر التفعيل كالتوصية والتسمية ، فكأن اليمين عقد ، والكفارة حلّ ؛ لأنها تحلّ للحالف ما حرّمه على نفسه.
قال مقاتل: المعنى قد بيّن الله كفارة أيمانكم في سورة المائدة.
أمر الله نبيه أن يُكَفر يمينه ، ويراجع وليدته ، فأعتق رقبة.
قال الزجاج: وليس لأحد أن يحرّم ما أحلّ الله.
قلت: وهذا هو الحقّ أن تحريم ما أحلّ الله لا ينعقد ولا يلزم صاحبه.
فالتحليل والتحريم هو إلى الله سبحانه لا إلى غيره ، ومعاتبته لنبيه صلى الله عليه وسلم في هذه السورة أبلغ دليل على ذلك ، والبحث طويل ، والمذاهب فيه كثيرة ، والمقالات فيه طويلة ، وقد حققناه في مؤلفاتنا بما يشفي.
واختلف العلماء هل مجرّد التحريم يمين يوجب الكفارة أم لا؟ وفي ذلك خلاف ، وليس في الآية ما يدلّ على أنه يمين ؛ لأن الله سبحانه عاتبه على تحريم ما أحله له ، ثم قال: {قَدْ فَرَضَ الله لَكُمْ تَحِلَّةَ أيمانكم} وقد ورد في القصة التي ذهب أكثر المفسرين إلى أنها هي سبب نزول الآية أنه حرّم أوّلاً ، ثم حلف ثانياً ، كما قدّمنا {والله مولاكم} أي: وليكم وناصركم ، والمتولي لأموركم {وَهُوَ العليم} بما فيه صلاحكم وفلاحكم {الحكيم} في أفعاله وأقواله.
{وَإِذَ أَسَرَّ النبي إلى بَعْضِ أزواجه حَدِيثاً} قال أكثر المفسرين: هي حفصة كما سبق ، والحديث ، هو تحريم مارية ، أو العسل ، أو تحريم التي وهبت نفسها له ، والعامل في الظرف فعل مقدّر ، أي: واذكر إذ أسرّ.
وقال الكلبي: أسرّ إليها أن أباك وأبا عائشة يكونان خليفتي على أمتي من بعدي {فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ} أي: أخبرت به غيرها {وَأَظْهَرَهُ الله عَلَيْهِ} أي: أطلع الله نبيه على ذلك الواقع منها من الإخبار لغيرها {عَرَّفَ بَعْضَهُ} أي: عرّف حفصة بعض ما أخبرت به.