وللفخر الرازيِّ في توجيه قوله تعالى:"فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ" [الحديد: 27] أقوالٌ، منها: أن هؤلاء الذين ابتَدعوا هذه الرهبانية ما رعَوها حق رعايتها، بل ضموا إليها التثليثَ والاتحاد، وأقام أناسٌ منهم على دين عيسى حتى أدركوا محمدًا عليه الصلاة والسلام فآمَنوا به؛ فهو قوله:"فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ" [الحديد: 27] [6] .
تساؤل وجوابه:
وثمَّة تساؤل تَقتضيه الآية، وهو: لِمَ لا يكون قوله تعالى:"وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا" [الحديد: 27] عطفًا على"رَأْفَةً وَرَحْمَةً" [الحديد: 27] في قوله تعالى:"وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ" [الحديد: 27] ؛ ليُصبح المعنى أنَّ الله جعل في قلوب الذين اتبعوه رأفةً ورحمةً ورهبانيةً أيضًا ابتدعوها، وجعلوا الجَعْلَ شرعيًّا ممدوحًا؟
وللإجابة عن ذلك يوضح الشيخ ابن تيميَّة رحمه الله خطأَ هذا العطف من وجوه:
منها: أن الرهبانية لم تكن في كلِّ مَن اتبعه؛ بل الذين صَحِبوه كالحواريِّين لم يكن فيهم راهبٌ، وإنما ابتُدعت الرهبانية بعد ذلك؛ بخلاف الرأفة والرحمة، فإنها جُعِلت في قلبِ كل مَن اتبعه.
ومنها: أنه أخبر أنهم ابتدعوا الرهبانية، بخلاف الرأفة والرحمة، فإنهم لم يبتدِعوها، وإذا كانوا ابتدعوها لم يكن قد شرعها لهم، فإن كان المراد هو الجعلَ الشرعيَّ الديني لا الجعل الكوني القدَري، فلم تدخل الرهبانية في ذلك، وإن كان المراد الجعل الخلقيَّ الكوني فلا مدحَ للرهبانية في ذلك.
ومنها: أن الرأفة والرحمة جعلها في القلوب، والرهبانية لا تختص بالقلوب؛ بل الرهبانية تركُ المباحات؛ من النكاح واللحم وغير ذلك [7] .
لا رهبانية في الإسلام: