جاء في تفسير الفخر الرازي:"الرَّهبانية معناها الفعلة المنسوبة إلى الرَّهبان، وهو الخائف، فَعلانٌ من رهب، كخَشيان من خشي، وقُرئ: (وَرُهْبَانِيَّةً) بالضم؛ كأنها نسبةٌ إلى الرُّهبان، وهو جمع راهبٍ؛ كراكبٍ ورُكبانٍ، والمراد من الرَّهبانية ترهُّبهم في الجبال، فارِّين من الفتنة في الدين، مُخلصين أنفسهم للعبادة، ومتحملين كَلفًا زائدةً على العبادات التي كانت واجبةً عليهم؛ من الخلوة، واللباس الخشن، والاعتزال عن النساء، والتعبد في الغيران والكهوف" [2] .
حكم الرهبنة:
يوضح الشيخ ابن تيمية بأن هذه الرهبانية لم يُشرِّعها الله، ولم يجعلها مشروعةً لهم؛ بل نفى جعْلَه عنها كما نفى ذلك عمَّا ابتدعه المشركون؛ بقوله:"مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ" [المائدة: 103] .
وهذا الجَعل المنفيُّ عن البدع هو الجَعلُ الذي أثبته للمشروع بقوله تعالى:"لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا" [المائدة: 48] ، وقوله:"لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ" [الحج: 67] ؛ فالرهبانية ابتدعوها، لم يشرعها الله للناس [3] .
وبيَّن الفخر الرازي بأن رهبانيةً منصوبةٌ بفعلٍ مضمر، يفسِّره الظاهر، تقديره: ابتدَعوا رهبانيةً ابتدعوها، ثم ذكر بأنَّ في قوله:"مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ" [الحديد: 27] قولَين: أحدهما: أنه استثناءٌ منقطعٌ؛ أي: ولكنهم ابتدعوها ابتغاء رضوان الله [4] .
وهذا ما أكده الشيخ ابن تيميَّة بقوله: ثم قال:"إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ" [الحديد: 27] ؛ أي: لم يَكتب عليهم إلا ابتغاءَ رضوانِ الله، وابتغاءُ رضوان الله بفِعل ما أمر به لا بما يُبتدَع، وهذا يسمى استثناءً منقطعًا.