اعتبرتم بهذه الوصل من أنواع الموجودات فتعلمون من ذلك أن موتتكم هذه فصل
بين الدنيا والآخرة كالعشائين النهار والليل، والعيشين بين الليل والنهار، واستقرأتم
ذلك في آيات السَّمَاوَات والأرض تجدون ذلك شائعًا في الوجود ودليل الحق
وفاقه واطراد وجوده، هلا صدقتم رسلي وكتبي وتدبرتم كلامي؟: (فَبِأَيِّ آلَاءِ
رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (21) .
هذا ظاهر العبرة في الموجودات من جهة ظاهرها، ويمكن مع هذا أن يكون
البحران الممزجان فيح جهنم بنفَسَيها، فكل واسع بحر، وليس في الدنيا أوسع بحرًا
من هذا، نعم ويجوز في العبرة أن يجعل النفسان فرقًا، وفتح الله برحمته بالماء
ومشيئته في ذلك فرقًا آخر، فيكونان البحرين، فمنهما وعنهما يخرج اللؤلؤ على
الحقيقة والمرجان، ويكون البرزخ على هذه العبرة فصلا الربيعين؛ فإنهما عنهما
وليسا بهما، وقد تقدم الكلام فيهما فتعرفه فيما هنالك، وفي هذين يتمكن تحقيق
لفظ العموم في قوله: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ(21) .
قوله تعالى: (يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ(22) . البحر العذب في
الدنيا آية على مياه الجنة، والملح الأجاج آية على بعض موجود شراب أهل النار لا
يروي شاربه ولا يغنيه.
قال الله - عز من قائل: (أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ(68) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ
أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (69) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا). كيف لا وقد كونه في
مضطرب فيح جهنم سموم حرورها وسموم زمهريرها، لكنه - أعني: الماء - لما
كان من فتح رحمته غلب رحمته على عذابه فأخرجها - أعني: جهنم - عن الماء
بروقًا ورعودًا وصواعق وما شاء من ذلك، فخلصه حيًّا طيبًا مباركًا طاهرًا مطهرًا.
كذلك قال - عز من قائل:(وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ
وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ)ثم قال:(وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً
تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ)المعنى حيث جاء.