5 -أخرج الله للناس ومنافعهم من البحار المالحة اللؤلؤ والمرجان، كما أخرج من التراب الحبّ والعصف والريحان. وإنما قال: مِنْهُمَا وإنما يخرج ذلك من الملح لا العذب، لأن العرب تجمع الجنسين، ثم تخبر عن أحدهما، كقوله تعالى: امَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ
[الأنعام 6/ 130] ، وإنما الرسل من الإنس دون الجن، كما قال الكلبي وغيره. وقال الزجاج: قد ذكرهما الله، فإذا خرج من أحدهما شيء، فقد خرج منهما، وهو كقوله تعالى:
أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً، وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً [نوح 71/ 15 - 16] والقمر في سماء الدنيا، ولكن أجمل ذكر السبع، فكأن ما في إحداهنّ فيهنّ.
وقال أبو علي الفارسي كما تقدم: هذا من باب حذف المضاف، أي من أحدهما، كقوله تعالى: عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف 43/ 31] ، أي من إحدى القريتين.
6 -لا يملك الفلك في البحر في الحقيقة أحد سوى الله، إذ لا تصرف لأحد فيها، لذا امتن الله تعالى على الناس في تسيير السفن في البحار، وأموال وأرواح ركابها في قبضة قدرة الله تعالى فوق الماء، كما هو الحال في إقلاع الطائرات في أعالي الفضاء فوق الهواء.
والسفن في البحر كالجبال في البر، والطائرات في الجو كالطيور والشهب،
ومن المعلوم أن الطائرات في الفضاء كالسفن في البحار تحمل مئات الأطنان.
7 -أردف الله تعالى بعد كل نعمة قوله: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ للتقرير بالنعم المختلفة المتعددة، والتوبيخ على التكذيب بها، كما تقدم بيانه، ومجمل المذكور هنا وما قبله: هل يستطيع أحد إنكار بدء خلق الإنسان والجن، وسلطان الله تعالى على المشرق والمغرب والشمس والقمر، والنجم والشجر، والزرع والحب، والأنهار والبحار، والدر والمرجان، وخلق مواد السفن، والإرشاد إلى أخذها وكيفية تركيبها وإجرائها في البحر، بأسباب لا يقدر على خلقها وجمعها وترتيبها غيره سبحانه وتعالى. والإنسان وإن كان هو الصانع في الظاهر، ولكن صنعه بإلهام الله وتوفيقه وهدايته وإرشاده.
فناء النعم والكون كله وبقاء الله تعالى