فعلى حمل الميزان على معنى العدل يكون الإِخسار جعل صاحب الحق خاسراً مغبوناً ؛ ويكون الميزان منصوباً على نزع الخافص ، وعلى حمل الميزان على معنى آلة الوزن يكون الإِخسار بمعنى النقص ، أي لا تجعلوا الميزان ناقصاً كما قال تعالى: {ولا تنقصوا المكيال والميزان} [هود: 84] ، وقد علمت هذا النظم البديع في الآية الصالح لهذه المحامل.
وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ (10)
عطف على {والسماء رفعها} [الرحمن: 7] وهو مقابلُهُ في المزاوجة والوضع يقابل الرفع ، فحصل محسِّن الطباق مرتين ، ومعنى {وضعها} خفضها لهم ، أي جعلها تحت أقدامهم وجُنوبهم لتمكينهم من الانتفاع بها بجميع ما لهم فيها من منافع ومعالجات.
واللام في {للأنام} لَلأجْل.
والأنام: اختلفت أقوال أهللِ اللغة والتفسير فيه ، فلم يذكره الجوهري ولا الراغب في"مفردات القرآن"ولا ابن الأثير في"النهاية"ولا أبو البقاء الكفوي في"الكليات".
وفسره الزمخشري بقوله:"الخلق وهو كل ما ظهر على وجه الأرض من دابة فيها روح".
وهذا مروي عن ابن عباس وجمععٍ من التابعين.
وعن ابن عباس أيضاً: أنه الإِنسان فقط.
وهو اسم جمع لا واحد له من لفظه.
وسياق الآية يرجح أن المراد به الإنسان ، لأنه في مقام الامتنان والاعتناء بالبشر كقوله: {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً} [البقرة: 29] .
والظاهر أنه اسم غير مشتق وفيه لغات: أنام كسحاب ، وآنام كساباط ، وأنيم كأمير.
وجملة {فيها فاكهة} إلى آخرها مبينة لجملة {والأرض وضعها للأنام} وتقديم {فيها} على المبتدأ للاهتمام بما تحتوي عليه الأرض.
ولما كان قوله: {وضعها للأنام} يتضمن وضعاً وعِلة لذلك الوضْع كانت الجملة المبينة له مشتملة على ما فيه العبرة والامتنان.