{أكفاركم خير من أولئكم؟ أم لكم برآءة في الزبر؟ أم يقولون: نحن جميع منتصر؟ سيهزم الجمع ويولون الدبر. بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر. إن المجرمين في ضلال وسعر. يوم يسحبون في النار على وجوههم: ذوقوا مس سقر. إنا كل شيء خلقناه بقدر. ومآ أمرنآ إلا واحدة كلمح بالبصر. ولقد أهلكنآ أشياعكم فهل من مدكر. وكل شيء فعلوه في الزبر. وكل صغير وكبير مستطر}
إنه الإنذار بعذاب الدنيا وعذاب الآخرة ؛ وإسقاط كل شبهة وكل شك في صدق هذا الإنذار وسد كل ثغرة وكل طمع في الهرب والفكاك ؛ أو المغالطة في الحساب والفرار من الجزاء!
تلك كانت مصارع المكذبين. فما يمنعكم أنتم من مثل ذلك المصير؟ {أكفاركم خير من أولئكم؟} .. وما ميزة كفاركم على أولئكم؟ {أم لكم براءة في الزبر} .. تشهد بها الصحائف المنزلة ، فتعفوا إذن من جرائر الكفر والتكذيب؟ لا هذه ولا تلك. فلستم خيراً من أولئكم ، وليست لكم براءة في الصحائف المنزلة ، وليس هنالك إلا لقاء المصير الذي لقيه الكفار من قبلكم في الصورة التي يقدرها الله لكم.
ثم يلتفت عن خطابهم إلى خطاب عام ، يعجب فيه من أمرهم:
{أم يقولون: نحن جميع منتصر} .
وذلك حين يرون جمعهم فتعجبهم قوتهم ، ويغترون بتجمعهم ، فيقولون: إنا منتصرون لا هازم لنا ولا غالب؟
هنا يعلنها عليهم مدوية قاضية حاسمة:
{سيهزم الجمع ويولون الدبر} ..
فلا يعصمهم تجمعهم ، ولا تنصرهم قوتهم. والذي يعلنها عليهم هو القهار الجبار.. ولقد كان ذلك. كما لا بد أن يكون!
قال البخاري بإسناده إلى ابن عباس -: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال وهو في قبة له يوم بدر:"أنشدك عهدك ووعدك اللهم إن شئت لم تعبد بعد اليوم في الأرض أبداً. فأخذ أبو بكر رضي الله عنه بيده ، وقال: حسبك يا رسول الله ألححت على ربك! فخرج وهو يثب في الدرع ، وهو يقول: {سيهزم الجمع ويولون الدبر...} ".