وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ(51) .
يحتمل قوله (أَشْيَاعَكُمْ) على وجهين:
أحدهما: إخوانكم وأهل دينكم بتكذيبهم الرسل - عليهم الصلاة والسلام - واذكروا أنتم يا أهل مكة؛ لئلا تهلكوا بتكذيبكم محمدا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - .
والثاني: أي: ولقد أهلكنا أشياعكم، وعرفتم ذلك، (فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) يتذكر ويتعظ، ويعتبر به.
وجائز أن يكون معناه: ولقد أهلكنا جنسكم، والحكيم لا يخلق الخلق للفناء والهلاك، فاعلموا أنه أنشأكم للعاقبة.
وفيه إثبات البعث، لكنه لا تدركه أفهام الكفرة وعقولهم، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ(52) .
يخرج هذا - أيضًا - على وجهين:
أحدهما: كل شيء فعلوه من التكذيب والعناد، كان في الكتب المتقدمة، أي: عن علم بصنيعهم وفعلهم أنشأهم، وبعث إليهم الرسل؛ وهو رد على من يقول: إنه لا يعلم ما يكون منهم حتى يكون منهم ذلك؛ لأنه لو كان يعلم ذلك لا يحتمل أن يبعث الرسل - عليهم الصلاة والسلام - إليهم ويأمرهم، وينهاهم، وهو يعلم أنهم يكذبون رسله، ويخالفون أمره، فرد عليهم وبين أنه لم يزل عالما بما كان ويكون، وقد بينا قبل هذا أنه تعالى بعث الرسل - عليهم السلام - وإن علم منهم التكذيب والخلاف؛ وذلك لأن المنافع والمضار راجعة إليهم دونه، واللَّه أعلم.
وجائز أن يكون معناه: (وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ) . أي: في الكتب التي تكتب عليهم الملائكة ويؤمرون بالقراءة في القيامة؛ كقوله تعالى: (اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا) .
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ(53)
هذا أيضا يخرج على هذين الوجهين:
أحدهما: مستطر في الكتب التي قبلهم.