الثالث: هو أن المحاسن اللفظية غير مهجورة في الكلام الحكمي ، فإن قول القائل إن رجوعهم إلينا وعلينا حسابهم ليس كقوله تعالى: {إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ} [الغاشية: 26] والكلام له جسم وهو اللفظ وله روح وهو المعنى ، وكما أن الإنسان الذي نور روحه بالمعرفة ينبغي أن ينور جسمه الظاهر بالنظافة ، كذلك الكلام ورب كلمة حكمية لا تؤثر في النفوس لركاكة لفظها ، إذا عرفت هذا فقوله: {وبالأسحار هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِى أموالهم حَقٌّ لَّلسَّائِلِ والمحروم} أحسن من حيث اللفظ من قولنا وبالأسحار هم يستغفرون ، وفي أموالهم حق للمحروم والسائل ، فإن قيل قدم السائل على المحروم ههنا لما ذكرت من الوجوه ، ولم قدم المحروم على السائل في قوله: {القانع والمعتر} لأن القانع هو الذي لا يسأل {والمعتر} السائل ؟ نقول قد قيل إن القانع هو السائل والمعتر الذي لا يسأل ، فلا فرق بين الموضعين ، وقيل بأن القانع والمعتر كلاهما لا يسأل لكن القانع لا يتعرض ولا يخرج من بيته والمعتر يتعرض للأخذ بالسلام والتردد ولا يسأل ، وقيل بأن القانع لا يسأل والمعتر يسأل ، فعلى هذا فلحم البدنة يفرق من غير مطالبة ساع أو مستحق مطالبة جزية ، والزكاة لها طالب وسائل هو الساعي والإمام ، فقوله: {لَّلسَّائِلِ} إشارة إلى الزكاة وقوله: {والمحروم} أي الممنوع إشارة إلى الصدقة المتطوع بها واحدهما قبل الأخرى بخلاف إعطاء اللحم.
وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (20)
وهو يحتمل وجهين.
أحدهما: أن يكون متعلقاً بقوله: {إِنَّمَا تُوعَدُونَ لصادق * وَإِنَّ الدين لَوَاقِعٌ * وَفِى الأرض ءايات لّلْمُوقِنِينَ} تدلهم على أن الحشر كائن كما قال تعالى: {وَمِنْ ءاياته أَنَّكَ تَرَى الأرض خاشعة} إلى أن قال: {إِنَّ الذي أحياها لمحيي الموتى} [فصلت: 39] .