ثم ذكر الأُمم المكذِّبة بما بعد هذا.
وقد سبق بيانه إلى قوله: {فحَقَّ وَعيدِ} أي: وجب عليهم عذابي.
{أفعَيِينا بالخَلْقِ الأَوَّلِ} هذا جواب لقولهم: ذلك رَجْعٌ بَعيدٌ.
والمعنى: أعَجَزْنا عن ابتداء الخَلْق ، وهو الخَلْق الأَوَّل ، فنعيا بالبعث وهو الخلق الثاني؟! وهذا تقرير لهم ، لأنهم اعترفوا أنه الخالق ، وأنكروا البعث {بل هم في لَبْسٍ} أي: في شَكٍّ {مِنْ خَلْقٍ جديدٍ} وهو البعث.
{ولقد خَلَقْنا الإنسان} يعني ابن آدم {ونَعلمُ ما تُوسوِسُ به نَفْسُه} أي: ما تحدِّثه به نفسه.
وقال الزجاج: نعلم ما يُكِنُّه في نَفْسه.
قوله تعالى: {ونحن أقربُ إليه} أي: بالعِلْم {من حَبْلِ الوريد} الحَبْل هو الوريد ، وإنما أضافه إلى نفسه لِما شرحناه آنفاً في قوله: {وحَبَّ الحَصيدِ} [ق: 9] قال الفراء: والوريد: عِرْقٌ بين الحُلْقوم والعِلْباوَيْن.
وعنه أيضاً قال: عرق بين اللَّبَّة والعِلْباوَيْن.
وقال الزجاج: الوريد: عِرْق في باطن العُنُق ، [وهما وريدان] ، والعِلْباوَان: العَصَبتان الصَّفراوان في مَتْن العُنُق ، واللَّبَّتان: مَجرى القُرط في العُنُق.
وقال ابن الأنباري: اللَّبَّة حيث يتذبذب القُرْط مِمّا يَقْرُبُ من شحمة الأُذن.
وحكى بعض العلماء أن الوريد: عِرْقٌ متفرِّق في البدن مُخالِط لجميع الأعضاء.
فلمّا كانت أبعاض الإِنسان يحجب بعضُها بعضاً ، أَعْلَمَ أن عِلْمه لا يحجُبه شيءٌ.
والمعنى: ونحن أقربُ إليه حين يَتلقَّى المتُلقِّيان ، وهما الملَكان الموكَّلان بابن آدم يتلقيَّانِ عَمَلَه وقوله: {إذا يَتلقَّى المُتلقِّيان} أي: يأخُذان ذلك ويُثْبِتانه {عن اليمين} كاتب الحسنات {وعن الشِّمال} كاتب السَّيِّئات.
قال الزجاج: والمعنى: عن اليمين قَعيد ، وعن الشِّمال قَعيد ، فدلَّ أحدُهما على الآخر ، فحذف المدلولُ عليه ، قال الشاعر: