لما كان كل ما تتصور النفس فالله بخلافه، فلم يتمكن العقل والنفس من الإشارة إلى حقيقة معلومة بأن حقيقة الإله هي هذه الحقيقة.
ويروى عن سهل بن عبد الله أنه سئل عن ذات الله فقال: ذات الله موصوفة بالعلم، غير مدركة بالإحاطة، وقد حجب الخلق عن معرفة كنه ذاته، ودلهم عليه بآياته، والقلوب تعرفه، والعقول لا تدركه، ينظر إليه المؤمنون بالإبصار من غير إحاطة، ولا إدراك نهاية ..
وروى عنه أيضاً أنه قال: غاية المعرفة الدهشة والحيرة.
وقال الشبلي: من أشار إليه فهو ثنوي، ومن كيَّفه فهو وثني، ومن نطق فيه فهو غافل، ومن سكت عنه فهو جاهل، ومن وهم أنه واصل فليس له حاصل، ومن ظن أنه قريب فهو بعيد، ومن وهم أنه واجد فهو فاقد، وكل ما ميزتموه بأوهامكم، وأدركتموه بعقولكم في أتم معانيكم فهو مصروف مردود إليكم، محدث مصنوع مثلكم.
واعلم أن من الناس من احتج فِي هذه المسألة بآيات، منها قوله تعالى: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ) .
قال أهل التفسير: وما عرفوه حق معرفته. من قدر الثواب إذا حزره وأراد معرفة مقداره.
واعلم أن هذا الاستدلال ضعيف، لأن هذه الآية وردت فِي كتاب الله تعالى فِي ثلاثة مواضع.
أولها فِي سورة الأنعام: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ) .
فهؤلاء الذين قالوا: (مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ) . كانوا منكرين كل النبوة، ومن كان كذلك كان كافر، فقوله تعالى: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ) . عائد إلى هؤلاء.