الثالث: أن تخصيص الشيء بإضافته إلى الله تعالى سبب لتشريفه، كما فِي قوله: (وطهر بيتي) . وقوله: (هذه ناقة الله) . وقوله: (وأنه لما قام عبد الله) .
فكذا هنا، إضافة المعرفة إلى نفسه تدل على أنها أشرف الخلع والتشريفات.
ثم هاهنا سؤلات:
السؤال الأول: ما الحكمة فِي أنه شبه نور المعرفة بنور السراج حيث قال:
(مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ) ؟
الجواب من وجوه:
الأول: أن البيت إذا كان فيه سراج لم يتجاسر اللص على دخوله مخافة أن يفتضح، وكذا القلب، إذا كان فيه سراج المعرفة لم يتجاسر الشيطان على دخوله مخافة أن يفتضح.
الثاني: أن البيت إذا كان فيه سراج اهتدى صاحبه إلى طلب الأمتعة، فكذلك القلب إذا كان فيه سراج المعرفة، استدل صاحبه إلى المشروع فِي الطاعات ..
الثالث: إذا كان فِي البيت سراج انتفع بضيائه كل أحد من غير أن ينقص من استضاءة صاحبه بنوره [شيئاً] . وكذا كل قلب كان فيه سراج المعرفة انتفع بنوره غير صاحبه، من غير أن ينقص من نور صاحبه شيء ..
الرابع: أن السراج إذا كان فِي البيت، وكان موضوعاً فِي كوة مسدودة بزجاجة أضاء داخل البيت وخارجه، وكذلك سراج المعرفة يضيء القلب وخارج القلب حتى يظهر نوره على الأذنين والعينين واللسان: فيظهر فنون الطاعات فِي هذه الأعضاء، وإليه الإشارة بقوله عليه السلام"اللهم اجعل فِي قلبي نوراً، وفي سمعي نوراً، وفي بصري نوراً، وفي عظمي نوراً وفي مخي نوراً"..
الخامس: أن البيت إذا كان فيه سراج كان صاحبه مستأنساً مسروراً، فإذا طفئ السراج صار مستوحشاً، فكذلك القلب، ما دام فيه سراج المعرفة: كان صاحبه مستأنساً مسروراً، فإذا فارقه والعياذ بالله صار حزيناً مغموماً، قال الله تعالى: (فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ) .