الثالث - من فوائد الآية أيضاً جواز تخلية سبيل المشركين ، إذا ضعفت شوكتهم ، وأمنت مفسدتهم ، لأن ذلك من لوازم المن ، وقبول الفداء ، والقول بإبادة خضرائهم من غير تفصيل ، ينافيه نص هذه الآية ، وقبول النبي صلى الله عليه وسلم الجزية من مجوس هجر وهم مشركون ، فتفهّم . وبالجملة ، فالذي عول عليه الأئمة المحققون رضي الله عنهم ، أن الأمير يخيّر ، بعد الظفر تخيير مصلحة لا شهوة في الأسراء المقاتلين ، بين قتال واسترقاق ، ومنّ وفداء . ويجب عليه اختيار الأصلح للمسلمين ؛ لأنه يتصرف لهم على سبيل النظر ، فلم يجز له ترك ما فيه الحظ ، كوليّ اليتيم ، لأن كل خصلة من هذه الخصال قد تكون أصلح في بعض الأسرى . فإن منهم من له قوة ونكاية في المسلمين ، فقتله أصلح . ومنهم الضعيف ذو المال الكثير ، ففداؤه أصلح ، ومنهم حسن الرأي في المسلمين ، يرجى إسلامه ، فالمنّ عليه أولى ، ومن ينتفع بخدمته ، ويؤمن شرّه ، استرقاقه أصلح - كما في"شرح الإقناع".
الرابع - تسن دعوة الكفار إلى الإسلام قبل القتال لمن بلغته الدعوة ، قطعاً لحجته . ويحرم القتال قبلها لمن لم تبلغه الدعوة ، لحديث بريدة بن الحصيب قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بعث أميراً على سرية أو جيش ، أمره بتقوى الله تعالى في خاصة نفسه ، وبمن معه من المسلمين . وقال: ( إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى إحدى ثلاث ، فإن هم أجابوك إليها فاقبل منهم ، وكف عنهم: ادعهم إلى الإسلام ، فإن أجابوك فاقبل منهم ، وكف عنهم ، فإن هم أبوا فادعهم إعطاء الجزية ، فإن أجابوك فاقبل منهم ، وكف عنهم . فإن أبوا فاستعن بالله وقاتلهم ) رواه مسلم .