ومعنى الآية: أي قل لهم: أخبروني حالكم إن ثبت أنّ القرآن من عند الله لعجز الخلق عن معارضته، لا أنه سحر ولا مفترى كما تزعمون، ثم كذبتم به، وشهد أعلم بني إسرائيل بكونه من عند الله، فآمن واستكبرتم، أفلستم تكونون أضل الناس وأظلمهم؟
والخلاصة: أخبروني إن اجتمع كون القرآن من عند الله مع كفركم به، وشهادة منصف من بني إسرائيل عارف بالتوراة على مثل ما قلت، فآمن به مع استبكاركم، أفلا تكونون ظالمين لأنفسكم؟
ثم ذكر أن في استكبارهم عن الإيمان ظلمًا لأنفسهم، وكفرا بآيات ربهم، فقال: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} ؛ أي: إنّ الله لا يوفق لإصابة الحق، وهدى الصراط المستقيم من ظلموا أنفسم باستحقاقهم بسخط الله لكفرهم به بعد قيام الحجة الظاهرة عليهم، وهذا استئناف بياني تعليل لاستكبارهم.
11 -ثم حكى نوعًا آخر من أقاويلهم الباطلة في القرآن العظيم والمؤمنين به فقال: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا} من أهل مكة {لِلَّذِينَ آمَنُوا} ؛ أي: لأجلهم، فليس الكلام على المواجهة والخطاب حتى يقال: ما سبقتمونا؛ أي: قالوا لأجل إيمان من آمن من فقراء المؤمنين كعمار وصهيب وابن مسعود ومن لف لفهم: {لَوْ كَانَ} ما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - من القرآن والدين {خَيْرًا} ؛ أي: حقًا {مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ} ؛ أي: ما سبقنا إليه هؤلاء الأراذل والفقراء، فإنّ معالي الأمور لا تنالها أيدي الأراذل، وهؤلاء سقاط الناس، ورعاة الإبل والشاء، وقد قالوا ذلك زعمًا منهم أنّ الرياسة الدينية مما ينال بأسباب دنيوية، وقد غاب عنهم أنها منوطة بكمالات نفسانية، وملكات روحانية مبناها الإعراض عن زخارف الدنيا الدنية، والإقبال على الآخرة بالكلية، وأنّ من فاز بها .. فقد حازها بحذافيرها، ومن حرمها .. فما له منها من خلاق، ولم يعلموا أنّ الله يختصّ برحمته من يشاء، ويصطفي لدينه من يشاء.
يقول الفقير: الأولى في مثل هذا المقام أن يقال: إنّ الرياسة الدينية فضل الله تعالى، يؤتيه من يشاء بغير علل ولا أسباب، فإن القابلية أيضًا إعطاء من الله تعالى. انتهى.