وفيه إشارة إلى أنه لا عذر لهم بحال، إذ عند وجود الشاهد على حقّية الدعوى تبطل الخصومة، وذلك الشاهد في الآية عبد الله بن سلام بن الحارث حبر أهل التوراة، وكان اسمه الخصين، فسمّاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عبد الله - رضي الله عنه - لما سمع بقدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة .. أتاه، فنظر إلى وجه الكريم، فعلم أنه ليس بوجه كذّاب، وتأمّله فتحقق أنه النبي المنتظر، فقال له: إني أسألك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبيّ: ما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام يأكله أهل الجنة؟ وما حال الولد ينزع إلى أبيه أو إلى أمه؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -:"أما أول أشراط الساعة .. فنار تحشرهم من المشرق إلى المغرب، وأما أول طعام أهل الجنة .. فزيادة كبد الحوت، وأما الولد .. فإن سبق ماء الرجل .. نزعه، وإن سبق ماء المرأة .. نزعته"فقال: أشهد أنك رسول الله حقًا، فقام ثم قال: يا رسول الله، إنّ اليهود قوم بهتٌ، فإن علموا بإسلامي قبل أن تسألهم عنّي بهتوني عندك، فجاء اليود وهم خمسون، فقال لهم النبي - صلى الله عليه وسلم -:"أيّ رجل عبد الله فيكم؟"
قالوا: خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا، وأعلمنا وابن أعلمنا، قال:"أرأيتم إن أسلم عبد الله"قالوا: أعاذه الله من ذلك، فخرج إليهم عبد الله فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، فقالوا، شرّنا وابن شرنا، وانتقصوه. قال: هذا ما كنت أخاف يا رسول الله وأحذر. قال سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه -: ما سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول لأحد يمشي على الأرض:"إنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام، وفيه نزل: {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ} ."
وقال مسروق - رضي الله عنه -: والله ما نزلت في عبد الله بن سلام، فإن آل {حمَ (1) } نزلت بمكة، وإنما أسلم عبد الله بالمدينة قبل وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - بعامين، وأجاب الكلبي بأن الآية مدنية، وإن كانت السورة مكية، فوضعت في المكية على ما أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .