{وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ} : ظرف لمحذوف يدل عليه ما قبله، ويترتب عليه ما بعده، لا لقوله: {فَسَيَقُولونَ} فإنه للاستقبال، و {إذ} للمضي؛ أي: وإذ لم يهتدوا بالقرآن كما اهتدى به أهل الإيمان قالوا ما قالوا؛ أي: وحين لم يهتدوا بالقرآن ظهر عنادهم وقالوا: لو كان خيرًا ما سبقونا إليه {فَسَيَقُولُونَ} في المستقبل غير مكتفين بنفي خيريّته: {هَذَا} القرآن {إِفْكٌ قَدِيمٌ} وكذب مأثور عن الناس الأقدمين، كما قالوا: أساطير الأولين بقصد انتقاص القرآن وأهله، فقد جهلوا بلبّ القرآن وعادوه؛ لأنّ الناس أعداء ما جهلوا، ومن كان مريضًا مرّ الفم .. يجد الماء الزّلال مرًا، فلا ينبغي لأحد أن يستهين بشيء من الحق إذا لم يهتد عقله به، ولم يدركه فهمه، فإنّ ذلك من محض الضلالة والجهالة، بل ينبغي أن يطلب الاهتداء من الهادي ويجدَّ فيه.
12 -ثمّ ردّ عليهم طعنهم في القرآن، وأثبت صحته فقال: {وَمِنْ قَبْلِهِ} ؛ أي: من قبل القرآن {كِتَابُ مُوسَى} ؛ أي: التوراة.
قرأ الجمهور: بكسر الميم من {مِنْ} على أنها حرف جر، وهي ومجرورها خبر مقدم، و {كِتَابُ مُوسَى} : مبتدأ مؤخر، والجملة: في محل نصب على الحال، أو هي مستأنفة، والكلام مسوق لردّ قولهم: {إِفْكٌ قَدِيمٌ} ، وإبطال له، فإن كونه مصدقًا لكتاب موسى مقرّر لحقيته قطعًا؛ يعني: كيف يصحّ هذا القول منهم، وقد سلّموا لأهل كتاب موسى أنهم من أهل العلم؟ وجعلوهم حكمًا يرجعون لقولهم في هذا النبي، وهذا القرآن مصدق له، أو له ولسائر الكتب الإلهية؛ أي: فإن كون القرآن موافقًا لكتاب موسى في أصول الشرائع، يدل على أنه حق، وأنه من عند الله، ويقتضي بطلان قولهم: {هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ} .