وعلموا قطعاً بعربيته أنه عربي، وبأنهم كانوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها ويسمعون قراءة الناس لما يحدثونه من الحكم والخطب والكهانة والرسائل والأشعار، وأنه مباين لجميع ذلك {مِن بَعْدِ مُوسَى} فلم يقتدوا بما أنزل بين هذا الكتاب وبين التوراة، من الإنجيل وما قبله، لأنه لا يساوي التوراة في الجمع، وروي عن عطاء والحسن: إنما قالوا ذلك لأنهم كانوا يهوداً.
«وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنَّ الجنّ ما سمعوا أمر عيسى، فلذلك قالوا من بعد موسى» ولما أخبروا بأنه منزل، أتبعوه ما يشهد له بالصحة بقولهم: {مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} أي: من جميع كتب بني إسرائيل الإنجيل وما قبله، ثم بينوا تصديقه بقولهم: {يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ} الأمر الثابت الذي يطابق الواقع، فلا يقدر أحد على إزالة شيء مما يخبر به الكامل في جميع ذلك {وَإِلَى طَرِيقٍ} موصل إلى المقصود {مُّسْتَقِيمٍ} لا عوج فيه.
«فَإِنْ قِيلَ» : قوله تعالى: {أَجِيبُواْ دَاعِيَ اللَّهِ} أمر بإجابته في كل ما أمر به فيدخل فيه الأمر بالإيمان فكيف قال وآمِنوا به؟
أجيب بأنه إنما ذكر الإيمان على التعيين، لأنه أهمّ الأقسام وأشرفها وقد جرت العادة في القرآن العظيم بأن يذكر اللفظ العام، ثم يعطف عليه أشرف أنواعه، كقوله تعالى {وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ} (البقرة: 98)
وقوله تعالى {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّيْنَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ} (الأحزاب: 7)
قوله تعالى: {يَغْفِرْ لَكُمْ}
أي: الله تعالى {مِّن ذُنُوبِكُمْ} أي: بعضها من الشرك وما شابهه مما هو حق لله تعالى، وكذا ما يجازى به صاحبه في الدنيا بالعقوبات والنكبات والهموم ونحوها، مما أشار إليه قوله تعالى {وَمَآ أَصَابَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ} (الشورى: 30)
وأما المظالم فلا تغفر إلا برضا أربابها.