أي: تمكيناً تظهر به عظمتنا {فِيمَا} أي: في الذي {إن} نافية أي: ما {مَكَّنَّاكُمْ} يا أهل مكة {فِيهِ} من قوّة الأبدان، وطول الأعمار، وكثرة الأموال، وغيرها. ثم إنّهم مع ذلك ما نجوا من عذاب الله تعالى. فكيف يكون حالكم؟.
(تنبيه)
قال البقاعي: وجعل النافي (إنْ) لأنها أبلغ من {ما} لأن ما تنفى تمام الفوت، لتركبها من الميم والألف التي حقيقة إدراكها فوت تمام الإدراك. وإن تنفي أدنى مظاهر مدخولها، فكيف بما وراء من تمامه؟
لأنّ الهمزة أوّل مظهر لفوت الألف، والنون لمطلق الإظهار. هذا إلى ما في ذلك من عذوبة اللفظ، وصونه عن ثقل التكرار، إلى غير ذلك من بديع الأسرار اهـ.
وقال الزمخشريّ: (إن) نافية أي: فيما ما مكناكم فيه إلا أن إن أحسن في اللفظ، لما في مجامعة ما بمثلها من التكرار المستبشع، ومثله مجتنب. ألا ترى أنَّ الأصل في مهما ما ما فلبشاعة التكرير قلبوا الألف هاء ولقد أغث أبو الطيب في قوله:
لعمرك ما ما بان منك لضارب
وما ضرّه لو اقتدى بعذوبة لفظ التنزيل فقال:
لعمرك ما إن بان منك لضارب. وقد جعلت (إن) صلة مثلها فيما أنشده الأخفش رحمه الله تعالى:
يرجى المرء ما إن لا يراه ... وتعرض دون أدناه الخطوب
وتؤوّل بأنا مكناهم في مثل ما مكناكم فيه. والوجه هو الأوّل.
{قَالُواْ ياقَوْمَنَآ}
مترققين لهم، ومترفقين بهم بذكر ما يدل على أنهم منهم، يهمهم ما يهمهم {إِنَّا سَمِعْنَا} أي: ما بيننا وبين القارئ واسطة. وأشاروا إلى أنه لم ينزل بعد التوراة شيء جامع لجميع ما يراد منه، مغن عن جميع الكتب غير هذا. وبذلك عرفوا أنه ناسخ لجميع الشرائع بقولهم: {كِتَاباً} أي: ذكراً جامعاً، لا كما نزل بعد التوراة على بني إسرائيل {أُنْزِلَ} أي: ممن لا منزل غيره، وهو ملك الملوك لأنّ عليه من رونق الكتب الإلهية ما يوجب القطع لسامعه بأنه منها، فكيف إذا انضم إلى ذلك الإعجاز؟