وَاخْتَارَهُ الْحَسَنُ بْنُ الْفَضْلِ لِقَوْلِهِ فِي عَقِبِهِ: (أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ) [الأنعام: 90]
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا: كُلُّ الرُّسُلِ كَانُوا أُولِي عَزْمٍ.
وَاخْتَارَهُ عَلِيُّ بْنُ مَهْدِيٍّ الطَّبَرِيُّ، قَالَ: وَإِنَّمَا دَخَلَتْ (مِنْ) لِلتَّجْنِيسِ لَا لِلتَّبْعِيضِ، كَمَا تَقُولُ: اشْتَرَيْتُ أَرْدِيَةً مِنَ الْبَزِّ وَأَكْسِيَةً مِنَ الْخَزِّ.
أَيِ اصْبِرْ كَمَا صَبَرَ الرُّسُلُ.
وَقِيلَ: كُلُّ الْأَنْبِيَاءِ أُولُو عَزْمٍ إِلَّا يُونُسَ بن متي، ألا ترى أن
النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى أَنْ يَكُونَ مِثْلَهُ، لِخِفَّةٍ وَعَجَلَةٍ ظَهَرَتْ مِنْهُ حِينَ وَلَّى مُغَاضِبًا لِقَوْمِهِ، فَابْتَلَاهُ اللَّهُ بِثَلَاثٍ: سَلَّطَ عَلَيْهِ الْعَمَالِقَةَ حَتَّى أَغَارُوا عَلَى أَهْلِهِ وَمَالِهِ، وَسَلَّطَ الذِّئْبَ عَلَى وَلَدِهِ فَأَكَلَهُ، وَسَلَّطَ عَلَيْهِ الحوت فابتلعه، قاله أَبُو الْقَاسِمِ الْحَكِيمُ.
وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: أُولُو الْعَزْمِ اثْنَا عَشَرَ نَبِيًّا أُرْسِلُوا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِالشَّامِ فَعَصَوْهُمْ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى الْأَنْبِيَاءِ أَنِّي مُرْسِلٌ عَذَابِي إِلَى عُصَاةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُرْسَلِينَ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِمُ اخْتَارُوا لِأَنْفُسِكُمْ، إِنْ شِئْتُمْ أَنْزَلْتُ بِكُمُ الْعَذَابَ وَأَنْجَيْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَإِنْ شِئْتُمْ نَجَّيْتُكُمْ وَأَنْزَلْتُ الْعَذَابَ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ، فَتَشَاوَرُوا بَيْنَهُمْ فَاجْتَمَعَ رَأْيُهُمْ عَلَى أَنْ يُنْزِلَ بِهِمُ الْعَذَابَ وَيُنَجِّيَ اللَّهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَأَنْجَى اللَّهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَنْزَلَ بِأُولَئِكَ الْعَذَابَ.
وَذَلِكَ أَنَّهُ سَلَّطَ عَلَيْهِمْ مُلُوكَ الْأَرْضِ، فَمِنْهُمْ مَنْ نُشِرَ بِالْمَنَاشِيرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ سُلِخَ جِلْدَةُ رَأْسِهِ وَوَجْهِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ صُلِبَ عَلَى الْخَشَبِ حَتَّى مَاتَ، وَمِنْهُمْ مَنْ حُرِّقَ بِالنَّارِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.