وبقوله: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ} [الجاثية: 13] ، يشير إلى أن السماوات والأرض وما فيهن خلقت للإنسان، ووجودها تبع لوجوده، وناهيك عن هذا المعنى إن الله تعالى أسجد ملائكته لآدم عليه السلام، وهذا غاية التسخير وهم أكرم وأعز مما في السماوات والأرض، ومثال هذا أنه لما أراد أن يخلق ثمرة خلق شجرة، وسخرها للثمرة لتحمل، فالعالم بما فيه شجرة وثمرتها الإنسان؛ ولعظم هذا المعنى قال: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الجاثية: 13] ؛ أي: في هذا المعنى دلالات على شرف الإنسان، وكماليته {لِّقَوْمٍ} لهم قلوب منورة بنور الإيمان والعرفان، {يَتَفَكَّرُونَ} بفكر سليم.
وبقوله: {قُل لِّلَّذِينَ آمَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ} [الجاثية: 14] ، يشير إلى أن المؤمنين إذا غفروا لأهل الجرائم، وإن لم يكونوا أهل المغفرة لإصرارهم على الكفر والإيذاء يصير متخلقاً بأخلاق الحق، ثم الله تعالى يجزي كل قوم جزاء عملهم، كما قال: {لِيَجْزِيَ قَوْماً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} [الجاثية: 14] من الخير والشر.
{مَنْ عَمِلَ صَالِحاً} [الجاثية: 15] ، من العفو للجرم {فَلِنَفْسِهِ} [الجاثية: 15] ؛ يعني: نفسه تتصف بصفة العفو والمغفرة وهي من صفات الله، {وَمَنْ أَسَآءَ} [الجاثية: 15] ، من المعصية والظلم {فَعَلَيْهَا} [الجاثية: 15] ؛ أي: تصير نفسه متصفة بالعصيان والظلم، وهو من صفات الشيطان، {ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ} [الجاثية: 15] على حسب صفاتكم وأعمالكم، إن كنتم من الأبرار فإن الأبرار لفي نعيم، وإن كنتم فجاراً فإن الفجار لفي جحيم.