ثم أخبر عن كرمه مع العبد بأنواع نعمه بقوله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ} [الجاثية: 12] ، يشير إلى أنه تعالى مسخر بحر العدم؛ لتجري فيه فلك الوجود بأمره، وهو أمر {كُنْ} [البقرة: 117] ، والحكمة في هذا التسخير مختصة بالإنسان لا بالفلك، سخر البحر والفلك له وسخره لنفسه؛ ليكون خليفة مظهراً لذاته وصفاته تبارك وتعالى نعمة منه وفضلاً؛ لإظهار الكنز المخفي، فبحسب كل مسخر من الجزيئات والكليات يجب على العبد شكر، وشكره أن يستعمله في طلب الله بأمره ولا يستعمله في هوى نفسه، وله أن يعتبر من البحر الصوري، والذين يركبون البحر فربما تسلم سفينتهم وربما تغرق، كذلك العبد في فلك الاعتصام في بحار التقدير، تمشي بهم رياح المشيئة، مرفوع لهم شراع التوكل من شيء في البحر بمجرى اليقين، فإن هبت رياح العناية تحث السفينة إلى ساحل السعادة، وإن هبت نكباء الفتنة لم يبق بيد الملاح شيء غرقت في لجة الشقاوة، فعلى العبد أن يكون ابتغاؤه فضل الله، ويسعى في الطلب بأداء شكر النعم، وذلك قوله: {وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [الجاثية: 12] .