ثم قال تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض جَمِيعاً مِّنْهُ} ، أي: سخر لكم أيضاً - أيها الناس - ما في السماوات من شمس وقمر ونجوم وليل ونهار وما في الأرض من دابة وشجر وجبل وغير ذلك لمنافعكم ومصالحكم جميعاً منه ، أي: نعمة منه عليكم ، فإياه فاحمدوا واشكروا.
وقرئت:"جميعاً منة"، أي من"عليكم بذلك منة) ."
ثم قال: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لأيات لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} ، أي: إن في تسخير ما تقدم ذكره لمنافع الخلق ومصالحهم لعبراً لقوم يتفكرون في آيات الله عز وجل وحججه سبحانه وأدلته فيعتبرون بها وينطقون.
و {جَمِيعاً مِّنْهُ} (وقف جيد) .
ومن قرأ"منة"وقف على"جميعاً"، ثم ابتدأ"منة"إن في ذلك"، أي: من عليكم بذلك منة."
ثم قال تعالى: {قُل لِّلَّذِينَ آمَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ الله} ، أي: قل لهم اغفروا يغفروا . فهو جواب أمر محمول على المعنى.
والمعنى: قل يا محمد للذين صدقوك: اغفروا للذين لا يخافون أيام الله ، أي: بأس الله ووقائعه فمن كفر به ونقمه منهم يغفروا.
{لِيَجْزِيَ قَوْماً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} ، أي: ليجزي الله عز وجل في الآخرة هؤلاء /
الذين يؤذون المؤمنين بما اكتسبوا في الدنيا من أذى المؤمنين (ومن غير) ذلك.
وروي عن عاصم أنه قرأ {لِيَجْزِيَ قَوْماً} بنصب قوم والفعل لما لم يسم فاعله . وهذا بعيد جداً لم يجزه سيبويه ولا جميع البصريين.
وإنما تقديره عنده: ليجزي الجزاء قوماً . فيقيم المصدر مقام ما لم يسم فاعله ويضمره وينصب الاسم المقصود بالمعنى وهو شاذ في النظر والقياس .
ولم يجز النحويون:"شُرِبَ الضربُ زيداً"برفع الضرب ونصب زيد ، ولو جاز هذا لجازت هذه القراءة ولكن لا يجيزونه إلا في شعر على بعد.