(هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ(50) . هذا مما يعرف يقينًا من الحق المخلوق به
السماوات والأرض وما بينهما، فافهم.
نظم بذلك ما هو من العبرة بالحق المذكور قوله الحق: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ(51) .
بالفتح في الميم وضمها، فمن قرأ بضمها فقراءته خارجة على
وصف كون التقي في جنات وعيون، ومن قرأ بنصبها فقراءته خارجة على وصف
حالهم فيها وإقامتهم ولبسهم السندس والاستبرق، فإن المُقام: هو الإقامة بالمكان.
وبالفتح هو: المكان الذي يقام فيه والحال الذي ينال في ذلك المقام.
ثم قال: (كَذَلِكَ) الكاف للتشبيه، و"ذلك"مشار إليه، وهو المعهود في الدنيا
أي: كالذي عهدتم منه بما هو مشبه به على بعد من الشبه وآية عليه، ثم قال:
(وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ(54) . وفي قراءة عبد الله:"وأمددناهم بعيس عن"
والعيساء: البيضاء الحوراء.
وقرأ عكرمة:"وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورِ عِينٍ"على الإضافة، وقرأها إبراهيم النخعي:
"وزوجناهم بعين عين".
(يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ ...(55) . ما يتحد ويستدعى بعد قضاء الحاجة فهو فاكهة،
ونقل المستعمل كذلك بفاكهة"فاكهين مسرورين"وتقرأ:"فكهين"يعني: أشرين
فرحين، وهو معدول من الفكاهة، فكه الرجل، أي: مزح، ومتفكه: مسرور متنعم
(آمِنِينَ) من حساب ومن عذاب ومن غضب ربهم، ومن مؤاخذة بما
هم فيه، قد علموا أن ربهم راضٍ عنهم، وبذلك طابت الجنة (وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ
ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (72) .
ثم قال - وقوله الحق: (لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ ...(56) . لما كان من
في النار من الموحدين تمسهم النار بما كانوا في الدنيا يكسبون، يميتهم الله فيها
إماتة وكأن الكفار فيها لا يحيون ولا يموتون، وصفهم بقوله الحق ووعده الصدق:
(لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى) التي كانوا ماتوها في
الدنيا، وحسن الاستثناء بموت أصابهم في الدنيا من حال يكون لهم في الجنة من
أجل أن الدنيا إذا تحققت في حق المؤمن التقي وتتبع النظر فيها فإنها جنة صغرى،