ثم ذكر تعالى قريشاً وحكى عنهم على جهة الإنكار لقولهم حين أنكروا فيه ما هو جائز في العقل فقال: {إن هؤلاء ليقولون إن هي إلا موتتنا الأولى} أي ما آخر أمرنا ومنتهى وجودنا إلا عند موتتنا ، وما نحن بمبعوثين من القبور ، يقال أنشر الله الميت فنشر هو ، وقول قريش: {فأتوا} مخاطبة للنبي صلى الله عليه وسلم ، إلا أنه من حيث كان النبي عليه السلام مسنداً في أقواله وأفعاله إلى الله تعالى وبواسطة ملك خاطبوه كما تخاطب الجماعة ، وهم يريدونه وربه وملائكته. واستدعاء الكفار في هذه الآية أن يحيي لهم بعض آبائهم وسموا قصياً لكي يسألوهم عما رأوا في آخرتهم ، ولم يستقص في هذه الآية الرد عليهم لبيانه ، ولأنه مبثوث في غير ما آية من كتاب الله ، فإن الله تعالى قد جزم البعث من القبور في أجل مسمى لا يتعداه أحد ، وقد بينت الأمثلة من الأرض الميتة وحال النبات أمر البعث من القبور.
قوله تعالى: {أهم خير} الآية تقرير فيه وعيد ، و: {تبع} ملك حميري ، وكان يقال لكل ملك منهم: {تبع} ، إلا أن المشار إليه في هذه الآية رجل صالح من التبابعة. قال كعب الأحبار: ذم الله تعالى قومه ولم يذمه ، ونهى العلماء عن سبه ، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم من طريق سهل بن سعد: أن تبعاً هذا أسلم وآمن بالله ، وروي أن ذلك كان على يد أهل كتاب كانوا بحضرته. وقال ابن عباس: كان {تبع} نبياً. وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"ما أدري أكان {تبع} نبياً أم غير نبي؟". وقال ابن جبير: هو الذي كسا الكعبة ، وقد ذكره ابن إسحاق في السيرة ، والله أعلم.
وقوله تعالى: {إنهم كانوا مجرمين} يريد بالكفر. وقرأت فرقة:"أنهم"بفتح الألف. وقرأ الجمهور بكسرها.