فإن قيل: أليس أهل النار لا يموتون، فلم بشر أهل الجنة بهذا مع مشاركة غيرهم في هذا المعنى؟ قيل: إن أهل الجنة في حياة هنيئة بشارتهم بالخلود تزيدهم سرورًا وقرة عين، وأهل النار يموتون موتات كثيرة بما يقاسون من الشدة، وانتفاء الموت عنهم يزيدهم حسرةً وشدة وَجْد.
وقوله: {إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى} قال ابن عباس: يريد: التي كانت في الدنيا، وقال مقاتل: يعني: المرة الأولى التي كانت في الدنيا.
قال أبو إسحاق: المعنى: لا يذوقون فيها الموت البتة سوى الموتة الأولى التي ذاقوها في الدنيا، وهذا كما قال {وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ} [النساء: 22] أي: سوى ما قد سلف، ونحو هذا قال الفراء قال: ومثله في الكلام: لك عندي ألف إلا مالك عندي من قِبَلِ فلان، ومعناه: سوى مالك علي من قِبَلِه، قال: (وإلا) قد تكون حطًّا مما قبلها وقد تكون زيادة عليه، فالحط كقولك: لك علي ألف إلا مائة، والزيادة كالتي في هذه الآية فهو زيادة على ما قبل، إلا كما ذكرنا في المثال من الكلام.
وقال بعض أهل المعاني: (إلا) بمعنى: بعد، أي: بعد الموتة الأولى، وقيل (إلا) بمعنى: لكن، كأنه قيل: لكن الموتة الأولى، وقد ذاقوها، وذكر ابن قتيبة وجهًا حسنًا فقال: إنما استثنى الموتة الأولى وهي في الدنيا، من موت في الجنة؛ لأن السعداء حين يموتون يصيرون بلطف الله وقدرته إلى أسباب من أسباب الجنة، فيلقون الروح والريحان، ويرون منازلهم من الجنة، وتفتح لهم أبوابها، فإذا ماتوا في الدنيا فكأنهم ماتوا في الجنة لا تصالهم بأسبابها ومشاهدتهم إياها، فجاز أن يستثني الموتة الأولى من مكانهم في الجنة.
57 -قوله: {فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ} قال الفراء والزجاج: المعنى: فعل ذلك ربهم فضلاً وتفضلاً منه.