(كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ) .
ثُمَّ قال: (يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ(11) . وفي مستقبل ذلك
الدخان يقول الكافرون: (رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ(12) .
ولم تقل قريش ذلك.
يقول - عز من قائل: (أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى ...(13) كما قال: (فَهَلْ
يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ (18)
أهذا يؤيد القول بأن الدخان متأخر مجيئه إلى آخر الزمان، وأن ما ذكر
من وجوده في أول الأمر هو آية على المتأخر منه.
يقول - عز من قائل: (أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى) كيف لهم بها وقد
جاءهم رسول مبين (ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ ...(14) . هذا يشترك فيه العاملون من آخر هذه الأمة مع
كفار أولها وهم قريش، ومن كان على سبيلهم فإنه يرجع على الأغلب المتولي
منهم على المتولي الأول من أوائلهم، ثم خص بالذكر قريشًا بقوله: (وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ) .
يقول تعالى: (إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ(15) . يمكن أن
تكون آية الدخان المستقبلة قبل عيسى - عليه السَّلام - فيكشف العذاب بعبده ورسوله وذلك
قليل، ثم هم بعد عائدون وما بعد ذلك إلا [الْبَطْشَةَ] الْكُبْرَى، وقد يمكن أن يكون
الدخان خارجًا في أيام مسيح الضلالة - لعنه الله - ويكون ذلك في الخمس الشداد،
كما قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -:"حتى يهلك كل ذي حافر"قيل له: فبم يعيش المؤمنون
يومئذٍ يا رسول اللَّه؟ قال:"بما يعيش الملائكة"أي: بالتقديس والتسبيح، ويكون
قوله: (إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ) معبرًا عن استقبال ذلك مع التراخي طول
مدة اللعين.
وصف الله - جلَّ جلالُه - يوم أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - من الدهر الذي هو العصر - يعني: واحد
الأعصار - إلى وقت غروب الشمس منه، ولهذا والله أعلم كان من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
يوم قصد ابن صياد ليطلع على بعض شأنه، ولما لقيه وكلمه كما جاء به الخبر عنه