ولما كانت قريش تفتخر بظواهر الأمور من الزينة والغرور ويعدونه تعظيماً من الله ويعدون ضعف الحال في الدنيا شقاء وبعداً من الله ، رد عليهم قولهم بما أتى بني إسرائيل على ما كانوا فيه من الضعف وسوء الحال بعد إهلاك آل فرعون بعذاب الاستئصال ، فقال مؤكداً لاستبعاد قريش أن يختار من قل حظه من الدنيا: {ولقد} اخترناهم أي فعلنا بما لنا من العظمة في جعلنا لهم خياراً فعل من اجتهد في ذلك ، وعظم أمرهم بقوله بانياً على ما تقديره: اختياراً مستعلياً {على علم} أي منا بما يكون منهم من خير وشر ، وقد ظهر من آثاره أنكم صرتم تسألونهم وأنتم صريح ولد إسماعيل عليه الصلاة والسلام عما ينوبكم وتجعلونهم قدوتكم فيما يصيبكم وتضربون إليه أكباد الإبل ، وهكذا يصير عن قليل كل من اتبع رسولكم - صلى الله عليه وسلم - منكم ومن غيركم.
ولما بين المفضل ، بين المفضل عليه فقال: {على العالمين} أي الموجودين في زمانهم بما أنزلنا عليهم من الكتاب وأرسلنا إليهم من الرسل.
ولما أعلم باختيارهم ، بين آثار الاختيار فقال: {وآتيناهم} أي على ما لنا من العظمة {من الآيات} أي العلامات الدالة على عظمتنا واختيارنا لهم من حين أتى موسى عبدنا عليه الصلاة والسلام فرعون إلى أن فارقهم بالوفاة وبعد وفاته على أيدي الأنبياء المقررين لشرعه عليهم الصلاة والسلام {ما فيه بلاؤا} أي اختبار مثله يميل من ينظره أو يسمعه أو يحيله إلى غير ما كان عليه ، وذلك بفرق البحر وتظليل الغمام وإنزال المن والسلوى وغير ذلك مما رأوه من الآيات التسع ، وفي هذا ما هو رادع للعرب عن بعض أقوالهم من خوف التخطف من العرب والفقر لقطع الجلب عنهم وغير ذلك {مبين} أي بين لنفسه موضح لغيره ، وما أنسب هذا الختم لقوله أول قصتهم"ولد فتنا قبلهم قوم فرعون".