وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً ... أي: ومتى وصلت إلى البحر - أي: البحر الأحمر - فاضربه بعصاك، ينفلق - بإذن الله - فسر فيه أنت ومن معك، واتركه ساكنا مفتوحا على حاله، فإذا ما سار خلفك فرعون وجنوده أغرقناهم فيه.
يقال: رها البحر يرهو، إذا سكن. وجاءت الخيل رهوا، أي: ساكنة، ويقال - أيضا -:
رها الرجل رهوا، إذا فتح بين رجليه وفرق بينهما، وهو حال من البحر.
قال الإمام الرازي: «وفي لفظ رَهْواً قولان:
أحدهما: أنه الساكن، يقال: عيش راه، إذا كان خافضا وادعا ساكنا ...
والثاني: أن الرهو هو الفرجة الواسعة، أي: ذا رهو، أي: ذا فرجة حتى يدخل فيها فرعون وقومه فيغرقوا .. وإنما أخبره - سبحانه - بذلك حتى يبقى فارغ القلب من شرهم وإيذائهم».
وقوله: إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ تعليل للأمر بتركه رهوا، أي: اترك البحر على حاله، فإن أعداءك سيغرقون فيه إغراقا يدمرهم ويهلكهم.
ثم بين - سبحانه - سوء مآلهم فقال: كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وكَمْ هنا خبرية للتكثير والتهويل، أي: ما أكثر ما ترك هؤلاء المغرقون خلفهم من بساتين ناضرة، وعيون يخرج منها الماء النمير ..
وَزُرُوعٍ كثيرة متنوعة وَمَقامٍ كَرِيمٍ أي: ومحافل ومنازل كانت مزينة بألوان من الزينة والزخرفة ..
وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ أي: وتنعم وترفه كانوا فيه يتلذذون، بما بين أيديهم من رغد العيش. وكثرة الفاكهة ..
والنعمة - بفتح النون - بمعنى التنعم والتلذذ، والنعمة - بالكسر - المنة والإنعام بالشيء وتطلق على الجنس الصادق بالقليل والكثير.
وقوله: كَذلِكَ في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، أي: الأمر كذلك.
قال الجمل ما ملخصه: «قوله: كَذلِكَ .. خبر مبتدأ محذوف. أي: الأمر كذلك.
فالوقف يكون على هذا اللفظ، وتكون الجملة اعتراضية لتقرير وتوكيد ما قبلها ... ويبتدأ بقوله: وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ وهو معطوف على كَمْ تَرَكُوا .. أي: تركوا أمورا كثيرة وأورثناها قوما آخرين، وهم بنو إسرائيل».
وقال الزمخشري: الكاف في محل نصب، على معنى: مثل ذلك الإخراج أخرجناهم منها وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ ليسوا منهم.