اعلم أنه تعالى وصف رزقهم بكونه معلوماً ، ولم يبين أن أي الصفات منه هو المعلوم فلذلك اختلفت الأقوال ، فقيل معناه إن ذلك الرزق معلوم الوقت وهو مقدار غدوة وعشية وإن لم يكن ثمة لا بكرة ولا عشية ، قال تعالى: {وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً} [مريم: 62] ، وقيل معناه أن ذلك الرزق معلوم الصفة لكونه مخصوصاً بخصائص خلقها الله فيه من طيب طعم ورائحة ولذة حسن منظر ، وقيل معناه أنهم يتيقنون دوامه لا كرزق الدنيا الذي لا يعلم متى يحصل ولا متى ينقطع ، وقيل معناه: القدر الذي يستحقونه بأعمالهم من ثواب الله وكرامته عليهم ، وقد بين الله تعالى أنه يعطيهم غير ذلك على سبيل التفضل ، ثم لما ذكر تعالى أن لهم رزقاً بين أن ذلك الرزق ما هو فقال: {فواكه} وفيه قولان الأول: أن الفاكهة عبارة عما يؤكل لأجل التلذذ لا لأجل الحاجة ، وأرزاق أهل الجنة كلها فواكه لأنهم مستغنون عن حفظ الصحة بالأقوات فإنهم أجسام محكمة مخلوقة للأبد ، فكل ما يأكلونه فهو على سبيل التلذذ والثاني: أن المقصود من ذكر الفاكهة التنبيه بالأدنى على الأعلى ، يعني لما كانت الفاكهة حاضرة أبداً كان الأدام أولى بالحضور ، والقول الأول أقرب إلى التحقيق ، واعلم أنه تعالى لما ذكر الأكل بين أن ذلك الأكل حاصل مع الإكرام والتعظيم فقال: {وَهُم مُّكْرَمُونَ} لأن الأكل الخالي عن التعظيم يليق بالبهائم.