يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {وَقِفُوهُمْ} احْبِسُوهُمْ: أَيِ احْبِسُوا أَيُّهَا الْمَلَائِكَةُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَزْوَاجَهُمْ، وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنَ الْآلِهَةِ {إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ} فَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْمَعْنَى الَّذِي يَأْمُرُ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِوَقْفِهِمْ لِمُسَأَلَتِهِمْ عَنْهُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَسْأَلُهُمْ: هَلْ يُعْجِبُهُمْ وُرُودَ النَّارِ.
[عن أَبي] الزَّعْرَاءِ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ، فَذَكَرَ قِصَّةً، ثُمَّ قَالَ:"يَتَمَثَّلُ اللَّهُ لِلْخَلْقِ فَيَلْقَاهُمْ، فَلَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الْخَلْقِ كَانَ يَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ شَيْئًا إِلَّا وَهُوَ مَرْفُوعٌ لَهُ يَتْبَعُهُ، قَالَ: فَيَلْقَى الْيَهُودَ فَيَقُولُ: مَنْ تَعْبُدُونَ؟ فَيَقُولُونَ: نَعْبُدُ عُزَيْرًا، قَالَ: فَيَقُولُ: هَلْ يَسُرُّكُمُ الْمَاءُ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيُرِيهِمْ جَهَنَّمَ وَهِيَ كَهَيْئَةِ السَّرَابِ، ثُمَّ قَرَأَ: {وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا} ، قَالَ: ثُمَّ يَلْقَى النَّصَارَى فَيَقُولُ: مَنْ تَعْبُدُونَ؟ فَيَقُولُونَ: الْمَسِيحَ، فَيَقُولُ: هَلْ يَسُرُّكُمُ الْمَاءُ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيُرِيهِمْ جَهَنَّمَ، وَهِيَ كَهَيْئَةِ السَّرَابِ، ثُمَّ كَذَلِكَ لِمَنْ كَانَ يَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ شَيْئًا، ثُمَّ قَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ} "
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ ذَلِكَ لِلسُّؤَالِ عَنْ أَعْمَالِهِمْ.
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «أَيُّمَا رَجُلٍ دَعَا رَجُلًا إِلَى شَيْءٍ كَانَ مَوْقُوفًا لَازِمًا بِهِ، لَا يُغَادِرُهُ، وَلَا يُفَارِقُهُ» ، ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ} .
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: وَقِفُوا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَزْوَاجَهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ.
وَقَوْلُهُ: {مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ}
يَقُولُ: مَا لَكُمْ أَيُّهَا الْمُشْرِكُونَ بِاللَّهِ لَا يَنْصُرُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا
{بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ}
يَقُولُ: بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ لِأَمْرِ اللَّهِ فِيهِمْ وَقَضَائِهِ، مُوقِنُونَ بِعَذَابِهِ.
عَنْ قَتَادَةَ:"لَا وَاللَّهِ لَا يَتَنَاصَرُونَ، وَلَا يَدْفَعُ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ {بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ} فِي عَذَابِ اللَّهِ". انتهى انتهى. {تفسير الطبري. 19/}