وقيل معنى: {لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى} ؛ أي: إن كثيرًا من أولئك الجهّال، والشياطين محبوسون في هذه الأرض غائبة أبصارهم عن الملأ الأعلى، لا يفهمون رموز هذه الحياة وعجائبها، ولا ترقى نفوسهم إلى التطلع إلى تلك العوالم العليا، والتأمل في إدراك أسرارها، والبحث في سر عظمتها. {وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ} ؛ أي: وقد قذفتهم شهواتهم وطردتهم من كل جانب، فهم تائهون في سكراتهم، تتخطفهم الأهواء والمطامع والعداوات. فلا يبصرون ذلك الجمال الذي يشرف للحكماء، ويبهر أنظار العلماء، ويتجلى للنفوس الصافية ويسحرها بعظمته. وهم ما زالوا يدأبون على معرفة هذا السر، حتى ذاقوا حلاوته، فخروا ركعًا سجدًا مذهولين من ذلك الجمال والجلال.
{وَلَهُمْ} ؛ أي: وللشياطين في الآخرة غير ما في الدنيا، من عذاب الرمي بالشهب. {عَذابٌ واصِبٌ} ؛ أي: عذاب دائم غير منقطع، من وصب الأمر وصوبًا إذا دام.
وقد ذهب جمهور المفسرين إلى أن الواصب الدائم. وقال السدي، وأبو صالح، والكلبي: هو الموجع الذي يصل وجعه إلى القلب.
10 -وقوله: {إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ} استثناء من واو {يسمعون} ، و {مَنْ} بدل من الواو. والخطف: اختلاس كلام الملائكة مسارقة كما يعرب عنه تعريف الخطفة؛ أي: لا يسمع جماعة الشياطين إلى الملأ الأعلى، إلا الشيطان الذي خطف؛ أي: اختلس الخطفة؛ أي: المرة الواحدة. يعني: كلمة واحدة من كلام الملائكة. {فَأَتْبَعَهُ} ؛ أي: أتبع ذلك المختلس، ولحقه {شِهابٌ} ؛ أي: شعلة نار ساطعة، والمراد هنا: ما يرى منقضا من السماء. {ثاقِبٌ} ؛ أي: مضيء غاية الإضاءة، يثقب بإضاءته ونوره ما يقع عليه؛ أي: كأنه يثقب الجو بضوئه يرجم به الشياطين إذا صعدوا لاستراق السمع.
والمعنى: لا يسمع الشياطين إلا الشيطان الذي اختلس الكلمة الواحدة، من كلام الملائكة على وجه المسارقة، فلحقه شهاب