5 -وقوله: {رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما} خبر ثان {لأن} ؛ أي: مالك السماوات والأرض، ومالك ما بينهما من الموجودات، ومربيها، ومبلغها إلى كمالاتها {وَرَبُّ الْمَشارِقِ} ؛ أي: مشارق الشمس، وهي ثلاث مائة وستون مشرقًا، تشرق كل يوم من مشرق منها، وبحسبها تختلف المغارب، ولذلك اكتفى بذكرها على حد {سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ} . وإنما اقتصر على المشارق ولم يعكس؛ لأن نفعه أعم من الغروب. يعني: إذا كانت المشارق بهذا العدد، تكون المغارب أيضًا بهذا العدد، فتغرب في كل يوم من مغرب منها. وأما قوله: {رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (17) } فهما مشرقا الصيف والشتاء ومغرباهما. وقوله: {رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ} أراد به الجهة، فالمشرق جهة والمغرب جهة.
وإعادة الرب في المشارق لغاية ظهور آثار الربوبية فيها، وتجددها كل يوم كما ذكر آنفًا.
والخلاصة: هو رب جميع الموجودات، وربوبيته لذاته، لا لنفع يعود إليه، بخلاف تربية الخلق. والربوبية بمعنى الخالقية والمالكية، ونحوهما عامة، وبمعنى التربية خاصة بكل نوع بحسبه، فهو تعالى مربي الأشباح بأنواع نعمه، ومربي الأرواح بلطائف كرمه. والرب عنوان الأدعية، فلا بد للداعي من استحضاره لسانًا وقلبًا، حتى يستجاب في دعائه: اللهم ربنا إنك أنت الواحد وحدة حقيقية، ذاتية، لا انقسام لك فيها، فاجعل توحيدنا توحيدًا حقانيًا ذاتيًا سريًا لا مجازية فيه، وإنك أنت الرب الكريم الرحيم، فكما أنك ربنا وخالقنا، فكذا مربينا ومولانا، فاجعلنا في تقلبات أنواع نعمك، شاغلين بك فارغين عن غيرك، وأوصل إلينا من كل خيرك.
فَإِنْ قُلْتَ: لم جمع هنا {الْمَشارِقِ} وحذف مقابله، وثنّاه في الرحمن، وجمعه في المعارج، وأفرده في المزمل مع ذكر مقابله في الثلاثة؟