البقرة 259 كيف؟ لأن عظام الحمار التي تحولت إلى تراب دَلَّت على المائة عام، وطعامه الذي لم يتغير دَلَّ على يوم أو بعض يوم، وهذا ليس عجيباً، ما دام أن الفاعل هو الله عز وجل القابض الباسط، فهو وحده القادر على أنْ يجمع بين الضِّدّيْن، فيقبض الزمن في حَقِّ قوم، ويبسطه في حق آخرين. ألم يأمر نبيه موسى - عليه السلام - أن يضرب بعصاه البحر، فصار الماء كُلُّ فِرْق كالطود العظيم، وأمره أنْ يضرب بعصاه الحجر، فانبجست منه اثنتا عشرة عَيْناً؟ إذن هي طلاقة القدرة. وعجيبٌ منهم أيضاً أنْ يسألوا عن الآباء، مع أن قضية البعث واحدة، فقولهم {أَوَ آبَآؤُنَا الأَوَّلُونَ} الصافات 17 دليل على تخبُّطهم، أو ربما فهموا أن الذي سيموت حديثاً طازة يعني هو الذي سيُبعث، أما القديم فبَعْثه غير ممكن. ويردُّ الله عليهم قُلْ يعني قل لهم يا محمد بمِلءْ فِيكَ نَعَمْ يعني ستُبعثون، والنبي يقولها قَوْلة الواثق لأنه مأمور بها من قِبَل الله القادر على أنْ يبعث الخَلْق {قُلْ نَعَمْ وَأَنتُمْ دَاخِرُونَ} الصافات 18 يعني ستُبْعَثون حال كونكم {دَاخِرُونَ} الصافات 18 يعني صاغرين أذلاء خاضعين، جزاءَ الَّلدَد والعناد والاستكبار على قبول الحق في الدنيا، كما قال تعالى في موضع آخر
{بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ} الصافات 26.
{فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ}
قوله تعالى {فَإِنَّمَا هِيَ} الصافات 19 أي مسألة البعث {زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ} الصافات 19 صيحة واحدة، أو نفخة واحدة كافية لأن تُخرِجهم من قبورهم {فَإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ} الصافات 19 لا أننا سنذهب إلى كل واحد منهم ونوقظه اصحى يا فلان إذن البعث الذي تكذِّبون به أمرُه يسير علينا، ولا يُكلِّفنا شيئاً. والصيحة في ذاتها لا تبعث الموتى، إنما هي مجرد إذْنٍ للملَك، بأن يباشر مهمته، فهي مثل الجرس الذي يُبْدأ به العمل، فبعد الزَّجْرة {فَإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ} الصافات 19 هكذا مباشرة لأن إذا هنا تدل على المفاجأة، فالأمر لن يستغرق وقتاً، وأول ما يقومون من القبور ينظرون أي هنا وهناك لأنهم سيروْنَ أمراً عجيباً لا عَهْدَ لهم به، وسيُفاجئهم ما كانوا يُكذِّبون به في الدنيا. لذلك حكى القرآن عنهم في آية أخرى
{رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا}